صفحة جزء
194 - مسألة : فلو انغمس من عليه غسل واجب في ماء راكد ، ونوى الغسل أجزأه من الحيض ومن النفاس ومن غسل الجمعة ومن الغسل من غسل الميت ولم يجزه للجنابة ، فإن كان جنبا ونوى بانغماسه في الماء الراكد غسلا من هذه الأغسال ولم ينو غسل الجنابة أو نواه ، لم يجزه أصلا لا للجنابة ولا لسائر الأغسال ، والماء في كل ذلك طاهر بحسبه ، قل أو كثر ، مطهر له إذا تناوله ، ولغيره على كل حال ، وسواء في كل ما ذكرنا كان ماء قليلا في مطهرة أو جب أو بئر ، أو كان غديرا راكدا فراسخ في فراسخ ، كل ذلك سواء .

برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى [ ص: 288 ] ثنا أحمد بن محمد ثنا أحمد بن علي ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو الطاهر وهارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب ثنا عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب } فقيل : كيف يفعل يا أبا هريرة ؟ قال يتناوله تناولا " .

حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا مسدد ثنا يحيى هو ابن سعيد القطان - عن محمد بن عجلان قال : سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة } .

حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا محمد بن أبي دليم ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عن جابر قال " كنا نستحب أن نأخذ من ماء الغدير ونغتسل به في ناحية " . قال أبو محمد ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنب عن أن يغتسل في الماء الدائم - في رواية أبي السائب عن أبي هريرة - جملة فوجب منه أن كل من اغتسل وهو جنب في ماء دائم ، فقد عصى الله تعالى إن كان عالما بالنهي ، ولا يجزيه لأي غسل نواه ، لأنه خالف ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة .

وهذا الحديث أعم من حديث ابن عجلان عن أبيه ، لأنه لو لم يكن إلا حديث ابن عجلان لأجزأ الجنب أن يغتسل في الماء الدائم لغير الجنابة ، لكن العموم وزيادة العدل لا يحل خلافها .

وممن رأى أن اغتسال الجنب في الماء الدائم لا يجزيه أبو حنيفة ، إلا أنه عم بذلك كل غسل وكل وضوء ، وخص بذلك ما كان دون الغدير الذي إذا حرك طرفه لم يتحرك الآخر ، ورأى الماء يفسد بذلك ، فكان ما زاد بذلك على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم - من عموم كل غسل - خطأ ، ومن تنجيس الماء وكان ما نقص بذلك من أمره عليه السلام [ ص: 289 ] من تخصيصه بعض المياه الرواكد دون بعض - خطأ وكان ما وافق فيه أمره عليه السلام صوابا ، وقاله أيضا الحسن بن حي ، إلا أنه خص به ما دون الكر من الماء ، فكان هذا التخصيص خطأ .

وقال به أيضا الشافعي ، إلا أنه خص به ما دون خمسمائة رطل ، فكان هذا التخصيص خطأ ، وعم به كل غسل ، فكان هذا الذي زاده خطأ ، ورأى الماء لا يفسد ، فأصاب ، وكره مالك ذلك .

وأجازه إذا وقع ، فكان هذا منه خطأ ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } ومن المحال أن يجزئ غسل نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غسل أمر به ، أبى الله أن تنوب المعصية عن الطاعة وأن يجزئ الحرام مكان الفرض .

وقولنا هو قول أبي هريرة وجابر من الصحابة رضي الله عنهم ، وما نعلم لهما في ذلك مخالفا من الصحابة رضي الله عنهم .

قال علي : فلو غسل الجنب شيئا من جسده في الماء الدائم لم يجزه ، ولو أنه شعرة واحدة ، لأن بعض الغسل غسل ، ولم ينه عليه السلام عن أن يغتسل غير الجنب في الماء الدائم { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } { وما كان ربك نسيا } فصح أن غير الجنب يجزيه أن يغتسل في الماء الدائم لكل غسل واجب أو غير واجب ، وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية