صفحة جزء
2128 - مسألة - هل في الجنين كفارة أم لا ؟ قال علي : نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الأعرابي أنا الدبري نا عبد الرزاق عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : ما على من قتل من لم يستهل ؟ قال : أرى أن يعتق أو يصوم .

وبه - إلى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في رجل ضرب امرأته فأسقطت ؟ قال : يغرم غرة ، وعليه عتق رقبة ، ولا يرث من تلك الغرة شيئا ، هي لوارث الصبي غيره .

وبه : إلى عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن المغيرة عن إبراهيم النخعي قال في المرأة تشرب الدواء أو تستدخل الشيء فيسقط ولدها ؟ قال : تكفر وعليها غرة .

قال أبو محمد : فطلبنا : هل هذا القول حجة أم لا ؟ فوجدناهم يذكرون : ما روينا بالسند المذكور إلى عبد الرزاق عن عمر بن ذر قال : سمعت مجاهدا يقول : مسحت امرأة بطن امرأة حامل فأسقطت جنينا ؟ فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فأمرها أن تكفر بعتق رقبة - يعني : التي مسحت .

قال علي : هذه رواية عن عمر - رضي الله عنه - ولا يعرف له في هذا مخالف من الصحابة رضي الله عنهم ، وعهدنا بالحنفيين ، والمالكين ، والشافعيين يعظمون [ ص: 236 ] خلاف الصاحب إذا وافق تقليدهم ، وهذا حكم إمام - وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه - بحضرة الصحابة ، لا يعرف أنه أنكره أحد منهم - وهم إذا وجدوا مثل هذا طاروا به ، وشنعوا على خصومهم مخالفته .

وهم كما ترى قد استسهلوا خلافه هاهنا ، وقد جعلوا حكما مأثورا عن عمر في تنجيم الدية في ثلاث سنين لا يصح عنه أصلا : حجة ينكرون خلافها ، وجعلوا حكمه بالعاقلة على الدواوين : حجة ينكرون خلافها ، ولم يجعلوا إيجابه هاهنا كفارة على التي مسحت بطن حامل فألقت جنينا ميتا بعتق رقبة : حجة هاهنا يقولون بها ، وهذا تحكم في الدين لا يستحله ذو ورع ، وبالله تعالى التوفيق .

قال أبو محمد : أما نحن فلا حجة عندنا في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن لم يأت بإيجاب الكفارة في ذلك نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على العموم ، فلا يجوز أن يطلق - على العموم - القول بها ، لكنا نقول - وبالله تعالى التوفيق : إن الله تعالى يقول { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله } .

{ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى خلقت عبادي كلهم حنفاء } .

وقال تعالى { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها } وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { كل مولود يولد على هذه الملة } وقد ذكرناه قبل بإسناده ، فكل مولود فهو على الفطرة ، وعلى ملة الإسلام .

فصح أن من ضرب حاملا فأسقطت جنينا ، فإن كان قبل الأربعة الأشهر قبل تمامها فلا كفارة في ذلك ، لكن الغرة واجبة فقط ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بذلك ، ولم يقتل أحدا ، لكن أسقطها جنينا فقط .

وإذ لم يقتل أحدا - لا خطأ ولا عمدا - فلا كفارة في ذلك ، إذ لا كفارة إلا في قتل الخطأ ، ولا يقتل إلا ذو روح ، وهذا لم ينفخ فيه الروح بعد .

وإن كان بعد تمام الأربعة الأشهر ، وتيقنت حركته بلا شك ، وشهد بذلك أربع [ ص: 237 ] قوابل عدول ، فإن فيه : غرة عبد أو أمة فقط ; لأنه جنين قتل ، فهذه هي ديته ، والكفارة واجبة بعتق رقبة { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } ; لأنه قتل مؤمنا خطأ .

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الروح ينفخ فيه بعد مائة ليلة وعشرين ليلة - وقد ذكرناه قبل وهذا نص القرآن ، وقد وافقنا عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

فإن قال قائل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوجب هاهنا كفارة ؟ قلنا : لم يأت لها ذكر في حديث الجنين ، وليست السنن كلها مأخوذة من آية واحدة ، ولا من سورة واحدة ، ولا من حديث واحد ، وإذ أوجب الله تعالى في قتل المؤمن خطأ كفارة ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تعالى خلق عباده حنفاء كلهم فهو إذ خلق الله فيه الروح فهو مؤمن حنيف بنص القرآن ، ففيه الكفارة .

وهذه الآية زائدة شرع على ما في حديث الجنين ، وأوامر الله تعالى مقبولة كلها ، لا يحل رد شيء لشيء منها أصلا - ومن خالف هذا فقد عصى الله تعالى فيما أمر به .

فإن قيل : فأوجبوا فيه حينئذ مائة من الإبل ، إذ هي الدية عندكم ؟ .

قلنا وبالله تعالى التوفيق - لا يجوز هذا ; لأن الله تعالى إنما قال { فدية مسلمة إلى أهله } ولم يبين لنا تعالى في القرآن مقدار تلك الدية ، لكن وكل تعالى ذلك إلى بيان رسوله صلى الله عليه وسلم ففعل - عليه الصلاة والسلام - فبين لنا صلى الله عليه وسلم أن دية من خرج إلى الدنيا فقتل ، مائة من الإبل في الخبر الثابت إذ ودى بذلك عبد الله بن سهل رضي الله عنه .

وبين لنا - عليه الصلاة والسلام - أن دية الجنين بنص لفظه عليه الصلاة والسلام " غرة " من العبيد أو الإماء ، وسماه " دية " .

كما أوردنا آنفا من طريق أبي هريرة رضي الله عنه بأصح إسناد يكون فكانت الدية مختلفة لبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لنا وكانت الكفارة واحدة ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين أحكام الكفارة في ذلك ؟ فلو أراد الله تعالى أن يكون حكم الكفارات في [ ص: 238 ] ذلك مختلفا لبين لنا ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا لم يفعل ذلك فما أراد الله تعالى قط أن يختلف حكم شيء من ذلك ؟ وهذه أمور ضرورية لا يسع أحدا مخالفتها ، وإنما احتجنا إلى شهادة القوابل ليثبت عندنا أنها قد تجاوزت أربعة أشهر مائة وعشرين ليلة تامة - وإلا فلو علمنا أنها قد تجاوزتها - بما قل أو كثر - لما احتجنا إلى شهادة أحد بالحركة ; لأن أوثق الشهود ، وأصدق الناس ، وأثبت العدول : شهد عندنا أن الروح ينفخ فيه بعد المائة وعشرين ليلة ، فما يحتاج بعد شهادته عليه الصلاة والسلام إلى شهادة أحد - والحمد لله رب العالمين .

فإن قال قائل : فما تقولون فيمن تعمدت قتل جنينها وقد تجاوزت مائة ليلة وعشرين ليلة بيقين : فقتلته ، أو تعمد أجنبي قتله في بطنها فقتله ؟ فمن قولنا : أن القود واجب في ذلك ولا بد ، ولا غرة في ذلك حينئذ ، إلا أن يعفي عنه فتجب الغرة فقط ، لأنها دية ، ولا كفارة في ذلك ، لأنه عمد ، وإنما وجب القود ; لأنه قاتل نفس مؤمنة عمدا ، فهو نفس بنفس ، وأهله بين خيرتين : إما القود ، وإما الدية ، أو المفاداة ، كما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن قتل مؤمنا - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية