صفحة جزء
2146 - مسألة : هل يغرم الجاني مع العاقلة أم لا ؟ قال أبو محمد رحمه الله : اختلف الناس في هذا : فقال أبو حنيفة ، ومالك ، والليث ، وابن شبرمة : يغرم القاتل خطأ مع عاقلته .

[ ص: 274 ] وقال الأوزاعي ، والحسن ، وأبو سليمان ، وأصحابنا : لا يدخل معهم في الغرامة .

وقال الشافعي : هي على العاقلة ، فما عجزت عنه العاقلة فهو في ماله .

قال أبو محمد رحمه الله : فلما اختلفوا وجب أن ننظر فيما احتجت به كل طائفة لقولها - : فوجدنا الموجبين على القاتل خطأ أن يغرم مع عاقلته يقولون : إن سعد بن طارق روى عن نعيم بن أبي هند عن سلمة بن نعيم أنه قال : قتلت يوم اليمامة رجلا ظننته كافرا ، فقال : اللهم إني مسلم بريء مما جاء به مسيلمة ، قال : فأخبرت بذلك عمر بن الخطاب ، فقال : الدية عليك وعلى قومك .

قالوا : وروي هذا عن عمر بن عبد العزيز ، ولا يعرف لهما من السلف مخالف .

وقالوا : إنما الغرم على العاقلة تغرم عنه على وجه النصرة له ، فهو أولى بذلك في نفسه - ما نعلم لهم حجة غير هذا ، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم نظرنا في قول الشافعي ، فوجدناه لا حجة له أصلا ، لا من قرآن ، ولا من سنة ، ولا من قول صاحب ، ولا تابع ، ولا قياس ، ولا وجدناه لأحد قبله - فسقط - وبالله تعالى التوفيق .

ثم نظرنا في قول الأوزاعي ، والحسن بن حي ، وأبي سليمان ، فوجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكم بالدية على عصبة العاقلة : كما رويناه عن مسلم بن الحجاج نا قتيبة - هو ابن سعيد - نا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه قال : { قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة ، ثم إن التي قضى عليها بالغرة توفيت ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها } .

ومن طريق مسلم نا إسحاق بن إبراهيم نا جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن عبيد بن نضلة عن المغيرة بن شعبة قال : { ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط فقتلتها وإحداهما لحيانية ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية [ ص: 275 ] المقتولة على عصبة القاتلة ، وغرة لما في بطنها ، فقال رجل من عصبة القاتلة : أنغرم دية من لا أكل ولا نطق ولا استهل ، فمثل ذلك يطل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسجع كسجع الأعراب وجعل عليهم الدية } فهذا نص حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة الجانية من الدية جملة ، وأن ميراثها لزوجها وبنيها ، لا مدخل للغرامة فيه ، والدية على عصبتها ، وهي ليست عصبة لنفسها ، لا في شريعة ، ولا في لغة .

فصح يقينا أنه لا يغرم الجاني خطأ من دية النفس ، ولا من الغرة شيئا ؟ قال أبو محمد رحمه الله : فإن عجزت العاقلة : فالدية ، والغرة على جميع المسلمين في سهم الغارمين من الزكاة ; لأنهم غارمون ، فحقهم في سهم الغارمين بنص القرآن ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بالدية على أوليائها .

وبرهان آخر : وهو أن الأموال محرمة إلا بنص أو إجماع ، وقد صح النص وإجماع أهل الحق على أن العاقلة تغرم الدية ، ولم يأت نص ولا إجماع بأن القاتل يغرم معهم شيئا ، فلم يحل أن يخرج من ماله شيء ، وبالله تعالى التوفيق .

قال أبو محمد رحمه الله والعجب من احتجاجهم بعمر - رضي الله عنه - وهم قد خالفوه في هذا المكان نفسه ، وفي غيره ، فمما حضرنا ذكره من ذلك : ما رويناه عن معمر عن قتادة : أن رجلا فقأ عين نفسه خطأ ، فقضى له عمر بن الخطاب بالدية فيها على العاقلة - وهم لا يقولون بهذا ؟ .

التالي السابق


الخدمات العلمية