صفحة جزء
2292 - مسألة : هل يقتل شارب الخمر بعد أن يحد فيها ثلاث مرات أم لا ؟ [ قال أبو محمد رحمه الله : الخمر حرام بنص القرآن ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإجماع الأمة ، فمن استحلها ممن سمع النص في ذلك ، وعلم بالإجماع فهو كافر ، مرتد ، حلال الدم ، والمال - فأما القرآن فقوله تعالى { إنما الخمر } إلى قوله تعالى { فاجتنبوه } فأمر تعالى باجتناب الرجس جملة وأخبر تعالى أن الخمر من الرجس ، ففرض اجتنابها ; لأن أوامر الله تعالى على الفرض حتى يأتي نص آخر يبين أنه ليس فرضا .

وقال تعالى { إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق } فنص تعالى على تحريم الإثم .

وقال تعالى { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير } . فصح أن الإثم حرام وأن في الخمر إثما وأن مواقعها مواقع إثم ، فهو مواقع المحرم نصا - وأما من السنة فمعلوم مشهور ] .

قال أبو محمد رحمه الله : اختلف الناس في شارب الخمر يحد فيها ، ثم يشربها ، فيحد فيها ثانية ، ثم يشربها فيحد فيها ثالثة ، ثم يشربها الرابعة ؟ فقالت طائفة : يقتل - وقالت طائفة : لا يقتل . فأما من قال يقتل : فكما نا أحمد بن قاسم نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم نا [ ص: 368 ] جدي قاسم بن أصبغ نا الحارث - هو ابن أبي أسامة - نا عبد الوهاب بن عطاء أنا قرة بن خالد عن الحسن بن عبد الله بن النصري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال : ائتوني برجل أقيم عليه حد في الخمر ، فإن لم أقتله فأنا كاذب ؟ وقال مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وغيرهم : أن لا قتل عليه - وذكروا ذلك عن عمر بن الخطاب ، وسعد بن أبي وقاص ؟ قال أبو محمد رحمه الله : فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر في ذلك : فوجدنا من رأى قتله : كما نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن إسحاق نا ابن الأعرابي نا أبو داود نا موسى بن إسماعيل ثنا أبو سلمة نا أبان - هو ابن يزيد العطار - عن عاصم - هو ابن أبي النجود - عن أبي صالح السمان عن معاوية بن أبي سفيان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا شربوا الخمر فاجلدوهم ، ثم إن شربوا فاجلدوهم ، ثم إن شربوا فاقتلوهم } حدثنا حمام نا ابن مفرج نا ابن الأعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن عاصم بن أبي النجود عن ذكوان - هو أبو صالح السمان - عن معاوية : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شارب الخمر { إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب الرابعة فاضربوا عنقه } .

حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا محمد بن رافع نا عبد الرزاق نا معمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال { من شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إذا شرب فاجلدوه ، ثم إذا شرب فاجلدوه ، ثم إذا شرب في الرابعة - ذكر كلمة معناها - فاقتلوه } .

حدثنا حمام نا ابن مفرج نا ابن الأعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال { من شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إذا شرب فاجلدوه ، ثم إذا شرب فاجلدوه ، ثم إذا شرب فاقتلوه } .

قال أبو محمد رحمه الله : فهذان طريقان في نهاية الصحة - وقد روي من طريق [ ص: 369 ] آخر لا يعتمد عليها ، ولو ظفر ببعضها المخالفون من الحاضرين لطاروا به كل مطير : من ذلك ما ناه أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي نا ابن مفرج نا ابن الأعرابي نا الدبري نا محمد بن أيوب الصموت نا أحمد بن عمر بن عبد الخالق البزار نا محمد بن يحيى القطيعي نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن جميل بن زياد عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { من شرب الخمر فاجلدوه ثلاثا ، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه } .

حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - أنا جرير - هو ابن عبد الحميد - عن المغيرة بن مقسم عن عبد الرحيم بن إبراهيم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { من شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاقتلوه } حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا محمد بن يحيى بن عبد الله نا محمد بن عبد الله الرقاشي نا يزيد بن زريع عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عتبة عن عروة بن مسعود عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا شرب الخمر فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاقتلوه } .

حدثنا يونس بن عبد الله بن مغيث أنا أبو بكر بن أحمد بن خالد نا أبي نا ابن وضاح نا أبو بكر بن أبي شيبة عن شبابة بن سوار عن ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال { إذا سكر فاجلدوه ، ثم إذا سكر فاجلدوه ، إذا سكر فاجلدوه ، ثم إن سكر فاضربوا عنقه } .

حدثنا أحمد بن قاسم نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم نا جدي قاسم بن أصبغ نا أحمد بن زهير نا إبراهيم بن عبد الله أنا هشام أنا مغيرة بن معبد بن خالد عن عبد بن عبد عن معاوية رفع الحديث قال { من شرب الخمر فاضربوه ، فإن عاد فاضربوه ، فإن عاد فاقتلوه } . [ ص: 370 ]

قال أحمد بن زهير : هكذا قال عبد بن عبد - وعبد بن عبد أو أبو عبد الله الجدلي - قال أحمد بن زهير : سألت يحيى بن معين عن أبي عبد الله الجدلي ؟ قال : هو فلان ابن عبد ، كوفي ، ثقة ، من قيس ، لم يحفظ يحيى اسمه ؟ قال أبو محمد رحمه الله : وقد روى هذا الحديث أيضا شرحبيل بن أوس ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبو غطيف الكندي - كلهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال أبو محمد رحمه الله : وأقل من هذا يجعلون فيما وافقهم نقل تواتر ، كقول الحنفيين في شرب النبيذ المسكر ، وكاعتماد المالكيين في إبطال السنن الثابتة في التوقيت في المسح على رواية أبي عبد الله الجدلي ، وغير ذلك لهم كثير ؟ قال أبو محمد رحمه الله : فكانت الرواية في ذلك عن معاوية ، وأبي هريرة ، ثابتة ، تقوم بها الحجة - وبالله تعالى التوفيق .

فنظرنا فيما احتج به المخالفون ، فوجدناهم يقولون : إن هذا الخبر منسوخ - وذكروا في ذلك : ما نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد نا عمي - هو يعقوب بن سعد - نا شريك عن محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال { إذا شرب الرجل فاجلدوه ، فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد الرابعة فاقتلوه ، فأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برجل منا فلم يقتله } .

حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا محمد بن موسى نا زياد بن عبد الله البكائي ثني محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من شرب الخمر فاضربوه ، فإن عاد فاضربوه ، فإن عاد فاضربوه ، فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه - فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيمان أربع مرات } .

فرأى المسلمون أن الحد قد رفع ، وأن القتل قد رفع : حدثنا حمام نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نا إسماعيل بن إسحاق [ ص: 371 ] نا أبو ثابت نا ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد أخبرني ابن شهاب أن قبيصة بن ذؤيب حدثه أنه بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لشارب الخمر { إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاجلدوه ، ثم إن شرب فاقتلوه - فأتي برجل قد شرب ثلاث مرات ، فجلده ، ثم أتي به في الرابعة فجلده - ووضع القتل عن الناس } .

قال محمد بن عبد الملك : قد نا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي نا سعيد بن أبي مريم أنا سفيان بن عيينة قال : سمعت ابن شهاب يقول لمنصور بن المعتمر من وافد أهل العراق بهذا الخبر - يعني حديث قبيصة بن ذؤيب هذا .

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا إبراهيم بن أحمد الفربري نا البخاري نا يحيى بن بكير ثني الليث ثني خالد بن يزيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب { أن رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان اسمه عبد الله ، وكان يلقب حمارا ، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد جلده في الشرب ، فأتي به يوما فأمر به فجلد ، فقال رجل من القوم : اللهم العنه ، ما أكثر ما يؤتى به ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تلعنوه ، فوالله ما علمته إلا يحب الله ويحب رسوله } . وذكروا الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، أو زنى بعد إحصان ، أو نفس بنفس } فلا يجوز أن يقتل أحد لم يذكر في هذا الخبر ؟ قال أبو محمد رحمه الله : فلو أن المالكيين ، والحنفيين ، والشافعيين ، احتجوا على أنفسهم بهذا الخبر في قتلهم من لم يبح الله تعالى قتله قط ، ولا رسوله - عليه السلام : كقتل المالكيين بدعوى المريض ، وقسامة اثنين في ذلك وقتلهم - والشافعيين من فعل فعل قوم لوط ، ومن أقر بفرض صلاة وقال : لا أصلي . وكقتل الحنفيين ، والمالكيين ، الساحر . [ ص: 372 ] وكل هؤلاء لم يكفر ، ولا زنى وهو محصن ، ولا قتل نفسا .

فهذا كله نقض احتجاجهم في قتل شارب الخمر في الرابعة ، بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال أبو محمد رحمه الله : هذا كل ما احتجوا به .

وذكروا عن الصحابة : ما نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الأعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق عن محمد بن راشد عن عبد الكريم بن أبي أمية بن أبي المخارق عن قبيصة بن ذؤيب أن عمر بن الخطاب جلد أبا محجن في الخمر ثماني مرات - وروي نحو ذلك عن سعيد أيضا - وكل ذلك لا حجة لهم فيه ، على ما نبين إن شاء الله تعالى .

أما حديث جابر بن عبد الله في نسخ الثابت من الأمر بقتل شارب الخمر في الرابعة فإنه لا يصح ; لأنه لم يروه عن ابن المنكدر أحد متصلا ، إلا شريك القاضي ، وزياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق عن ابن المنكدر - وهما ضعيفان .

وأما حديث قبيصة بن ذؤيب فمنقطع ، ولا حجة في منقطع .

وأما حديث زيد بن أسلم الذي من طريق معمر عنه فمنقطع - ثم لو صح لما كانت فيه حجة ; لأنه ليس فيه ، أن ذلك كان بعد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل ، فإذ ليس ذلك فيه فاليقين الثابت لا يحل تركه للضعيف الذي لا يصح ، ولو صح لكان ظنا - فسقط التعلق به جملة .

ولو أن إنسانا يجلده النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر ثلاث مرات قبل أن يأمر بقتله في الرابعة ، لكان مقتضى أمره صلى الله عليه وسلم استئناف جلده بعد ذلك ثلاث مرات ولا بد ; لأنه - عليه السلام - حين لفظ بالحديث المذكور أمر في المستأنف بضربه إن شرب ، ثم بضربه إن شرب ثانية ، ثم بضربه ثالثة ، ثم بقتله رابعة - هذا نص حديثه وكلامه - عليه السلام .

فإنما كان يكون حجة لو بين فيه أنه أتي به أربع مرات بعد أمره - عليه السلام - بقتله في الرابعة ، وهكذا القول - سواء سواء - في حديث عمر الذي من طريق سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم ؟ [ ص: 373 ] قال أبو محمد رحمه الله : فأما نحن فنقول - وبالله تعالى التوفيق : إن الواجب ضم أوامر الله تعالى ، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم كلها بعضها إلى بعض ، والانقياد إلى جميعها ، والأخذ بها ، وأن لا يقال في شيء منها : هذا منسوخ إلا بيقين .

برهان ذلك : قول الله تعالى { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } .

فصح أن كل ما أمر الله تعالى به ، أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ففرض علينا الأخذ به ، والطاعة له ، ومن ادعى في شيء من ذلك نسخا ، فقوله مطرح ; لأنه يقول لنا : لا تطيعوا هذا الأمر من الله تعالى ، ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم فواجب علينا عصيان من أمر بذلك ، إلا أن يأتي نص جلي بين يشهد بأن هذا الأمر منسوخ ، أو إجماع على ذلك ، أو بتاريخ ثابت مبين أن أحدهما ناسخ للآخر .

وأما نحن - فإن قولنا : هو أن الله تعالى قد تكفل بحفظ دينه وأكمله ، ونهانا عن اتباع الظن ، فلا يجوز ألبتة أن يرد نصان يمكن تخصيص أحدهما من الآخر ، وضمه إليه ، إلا وهو مراد الله تعالى منهما بيقين ، وأنه لا نسخ في ذلك بلا شك أصلا - ولو كان في ذلك نسخ لبينه الله تعالى بيانا جليا ، ولما تركه ملتبسا مشكلا ، حاش لله من هذا ؟ قال أبو محمد رحمه الله : فلم يبق إلا أن يرد نصان ممكن أن يكون أحدهما مخصوصا من الآخر ; لأنه أقل معان منه ، وقد يمكن أن يكون منسوخا بالأعم ، ويكون البيان قد جاء بأن الأخص قبل الأعم بلا شك - فهذا إن وجد فالحكم فيه النسخ ولا بد ، حتى يجيء نص آخر أو إجماع متيقن على أنه مخصوص من العام الذي جاء بعده .

برهان ذلك : أن الله تعالى قال في كتابه { تبيانا لكل شيء } .

وقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { لتبين للناس ما نزل إليهم } والبيان - بلا شك - هو ما اقتضاه ظاهر اللفظ الوارد ، ما لم يأت نص آخر ، أو إجماع متيقن على نقله عن ظاهره ، فإذا اختلف الصحابة فالواجب الرد إلى ما افترض الله تعالى الرد إليه ، إذ يقول { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } الآية . [ ص: 374 ]

وقد صح أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله في الرابعة ، ولم يصح نسخه ، ولو صح لقلنا به - ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية