صفحة جزء
. 3209 - مسألة : التعزير ؟ قال أبو محمد رحمه الله : اختلف الناس في مقدار التعزير : فقالت طائفة : ليس له مقدار محدود ، وجائز أن يبلغ به الإمام ما رآه ، وأن يجاوز به الحدود - بالغا ما بلغ - وهو قول مالك - وأحد أقوال أبي يوسف وهو قول أبي ثور ، والطحاوي من أصحاب أبي حنيفة .

وقالت طائفة : التعزير مائة جلدة فأقل .

وقالت طائفة : أكثر التعزير مائة جلدة إلا جلدة .

وقالت طائفة : أكثر التعزير تسعة وسبعون سوطا فأقل - هو أحد أقوال أبي يوسف .

وقالت طائفة : أكثر التعزير خمسة وسبعون سوطا فأقل - وهو قول ابن أبي ليلى ، وأحد أقوال أبي يوسف .

وقالت طائفة : أكثر التعزير ثلاثون سوطا . [ ص: 422 ]

وقالت طائفة : أكثر التعزير عشرون سوطا .

وقالت طائفة : لا يتجاوز بالتعزير تسعة - وهو قول بعض أصحاب الشافعي .

وقالت طائفة : أكثر التعزير عشرة أسواط فأقل ، لا يجوز أن يتجاوز به أكثر من ذلك - وهو قول الليث بن سعد ، وقول أصحابنا ؟ قال أبو محمد رحمه الله : فمما روي في القول الأول : ما ناه أحمد بن عمر بن أنس نا الحسن بن يعقوب نا سعد بن فلحون نا يوسف بن يحيى نا عبد الملك بن حبيب قال : قال لي مطرف بن عبد الله ثقة : أتي هشام بن عبد الله المخزومي - وهو قاضي المدينة ومن صالح قضاتها - برجل خبيث معروف باتباع الصبيان قد لصق بغلام في ازدحام الناس حتى أفضى ، فبعث به هشام إلى مالك ، وقال : أترى أن أقتله ؟ قال : وكان هشام شديدا في الحدود ، فقال مالك : أما القتل فلا ، ولكن أري أن تعاقبه عقوبة موجعة ، فقال : كم ؟ قال : ذلك إليك ، فأمر به هشام فجلد أربع مائة سوط ، وأبقاه في السجن ، فما لبث أن مات ، فذكروا ذلك لمالك ، فما استنكر ، ولا رأى أنه أخطأ ؟ قال أبو محمد رحمه الله : وذكر محمد بن سحنون بن سعيد في كتابه الذي جمع فيه أحكام أبيه أيام ولايته قضاء مدينة القيروان لابن الأغلب ، قال : شكا إلى أبي رجل يأتي زوجته أنه غيب عنه ابنته ، وحال بينه وبينها ؟ فبعث في أبي الجارية ، قال : أين ابنتك امرأة هذا ؟ فقال : والله ما أتتني ولا أدري أين هي ؟ ولا لها عندي علم ، قال : فأمر به فحمله إلى وسط السوق ، وضرب مائة سوط ، ثم سجنه ، ثم أخرجه مرة ثانية وجلده في وسط السوق مائة سوط - ثم أنا أشك أذكر الثالثة أو الرابعة أم لا ؟ قال : فمات الرجل من الضرب في السجن ، ثم وجد ابنته في بعض الشعاب عند قوم من أهل الفساد .

وأما القول الثاني - فكما نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الأعرابي نا الدبري نا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني هشام بن عروة عن أبيه أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب حدثه ، قال : توفي عبد الرحمن بن حاطب وأعتق من صلى من رقيقه وصام ، وكانت له نوبية قد صلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه ، فلم يرعه إلا حملها وكانت ثيبا ، فذهب إلى عمر فزعا فحدثه ؟ فقال : أنت الرجل لا تأتي بخير ، فأرسل إليها عمر [ ص: 423 ] فسألها ، فقال : أحبلت ؟ قالت : نعم ، من مرعوش بدرهمين ، فصادف ذلك عنده : عثمان ، وعليا ، وعبد الرحمن بن عوف ، فقال : أشيروا علي وكان عثمان جالسا فاضطجع ، فقال علي ، وعبد الرحمن : قد وقع عليها الحد ، فقال : أشر علي يا عثمان ؟ قال : قد أشار عليك أخواك ، قال : أشر علي أنت ، قال عثمان : أراها تستهل به كأنها لا تعرفه ، فليس الحد إلا على من علمه ، فأمر بها عمر فجلدت مائة ثم غربها ، ثم قال : صدقت ، والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علمه .

وبه - إلى عبد الرزاق عن محمد بن راشد قال : سمعت مكحولا يحدث أن رجلا وجد في بيت رجل بعد العتمة ملففا في حصير ، فضربه عمر مائة .

وبه - إلى عبد الرزاق نا ابن جريج نا جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أنه كان إذا وجد الرجل مع المرأة في لحاف واحد ، جلدهما مائة كل إنسان منهما .

وبه - إلى عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال : أتي ابن مسعود برجل وجد مع امرأة في لحاف ، فضربهما لكل واحد منهما أربعين سوطا ، فذهب أهل المرأة وأهل الرجل فشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب ؟ فقال عمر لابن مسعود ما يقول هؤلاء ؟ قال : قد فعلت ذلك .

وأما القول الثالث - فروينا عن سعيد بن المسيب ، ورويناه أيضا عن ابن شهاب قال : إن عمر بن الخطاب ضرب رجلا دون المائة وجد مع امرأة في العتمة .

وأما من قال ثلاثون سوطا فلما رويناه عن سفيان بن عيينة عن جامع عن شقيق قال : كان لرجل على أم سلمة أم المؤمنين حق فكتب إليها يخرج عليها فأمر عمر بأن يجلد ثلاثين جلدة .

وأما من قال عشرون سوطا - فكما روينا عن وكيع ، وعبد الرحمن ، ثم اتفقا كلاهما عن سفيان الثوري عن حميد الأعرج عن يحيى بن عبد الله بن صيفي أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى لا يجلد في تعزير أكثر من عشرين سوطا ؟ قال أبو محمد رحمه الله : فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر في ذلك : - فنظرنا في قول من أسقط التعزير جملة ، ومن رأى أنه يزاد فيه عشر جلدات ، إذ [ ص: 424 ] لم يبق غير هذين القولين ، إذ سائر الأقوال قد سقط التعلق بها جملة واحدة .

فوجدنا المنع منه جملة ، كما جاء عن عمر بن الخطاب ، وعن عطاء هو كان الأصل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام } .

لكن لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من رأى منكم منكرا فليغيره بيده إن استطاع فإن لم يستطع فبلسانه } كان ذلك مطلقا لتغيير المنكر باليد ، فكان هذا أمرا مجملا ، لا ندري كيفية ذلك التغيير باليد كيف هو ؟ لأن التغيير باليد يكون بالسيف ، وبالحجر ، ويكون بالرمح ، ويكون بالضرب - وهذا لا يقدم عليه إلا ببيان من الله تعالى على لسان رسوله عليه السلام .

ثم نظرنا في قول مالك : فوجدناه أبعد الأقوال من الصواب ، لأنه لم يتعلق بقرآن ، ولا بسنة ، ولا بدليل إجماع ، ولا بقول أحد من الصحابة رضي الله عنهم ، ولا برأي سديد : فنظرنا في ذلك ، فوجدنا : ما نا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا إبراهيم بن أحمد نا الفربري نا البخاري نا عبد الله بن يوسف نا الليث هو ابن سعد - ني يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله عن سليمان بن يسار عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله بن أبي بردة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله تعالى } فكان هذا بيانا جليا لا يحل لأحد أن يتعداه .

وقد روينا - عن سفيان الثوري عن أبي حصين عن أبي عامر قال : أتي علي بن أبي طالب برجل وجد تحت فراش امرأة ، فقال : اذهبوا به فقلبوه ظهرا لبطن في مكان منتن ، فإنه كان في مكان شر منه .

ومن طريق محمد بن المثنى نا الضحاك بن مخلد عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق الشيباني عن رجل : أن رجلا جاء إلى علي بن أبي طالب بمستعد عليه ، فقال : هذا احتلم على أمي البارحة ؟ فقال له علي : اذهب فأقمه في الشمس واضرب ظله ؟ [ ص: 425 ] قال أبو محمد رحمه الله : ومن أتى منكرات جمة ، فللحاكم أن يضربه لكل منكر منها عشر جلدات فأقل - بالغا ذلك ما بلغ - لأن الأمر في التعزير جاء مجملا فيمن أتى منكرا أن يغير باليد ، وليس هذا بمنزلة الزاني الذي قد صح الإجماع والنص أن الإيلاج والتكرار سواء - ولا كالشرب الذي قد صح الإجماع والنص على أن الجرعة والسكر سواء - ولا كالسرقة التي قد صح الإجماع بأن سارق ربع دينار وسارق أكثر من ذلك سواء - ولا كالقذف الذي قد صح النص بأن قاذف واحد أو أكثر من واحد سواء - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية