صفحة جزء
[ ص: 3 ] مسألة : رفع اليدين عند كل ركوع وسجود وقيام وجلوس ، سوى تكبيرة الإحرام ؟ قال علي : اختلف الناس في هذا - : فطائفة : لم ترفع اليدين في شيء من الصلاة إلا في أولها عند تكبيرة الإحرام على ظلع أيضا .

ورأوه أيضا - إن كان - فرفع يسير - وهذه رواية ابن القاسم عن مالك ؟ وقال أبو حنيفة ، وأصحابه برفع اليدين للإحرام أولا - سنة لا فريضة - ومنعوا منه في باقي الصلاة ورأت طائفة : رفع اليدين عند الإحرام ، وعند الركوع ، وعند الرفع من الركوع .

وهو قول الشافعي : وأحمد وأبي سليمان ، وأصحابهم .

وهو رواية أشهب ، وابن وهب ، وأبي المصعب ، وغيرهم ، عن مالك أنه كان يفعله ويفتي به ؟ ورأت طائفة : رفع اليدين عند كل تكبير في الصلاة ، الفرض والتطوع ، وعند كل قول : سمع الله لمن حمده ؟ فأما رواية ابن القاسم عن مالك فما نعلم لها وجها أصلا ، ولا تعلقا بشيء من الروايات ، ولا قائلا بها من الصحابة ولا من التابعين ؟ [ ص: 4 ] وأما قول أبي حنيفة فإنهم احتجوا بما حدثناه حمام ثنا عبد الله بن محمد الباجي ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ثنا زهير بن حرب ثنا وكيع عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن ابن مسعود قال : { ألا أريكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فرفع يديه في أول تكبيرة ثم لم يعد }

قالوا : وكان علي ، وابن مسعود ، لا يرفعان أيديهما إلا في تكبيرة الإحرام فقط .

ما نعلم لهم حجة غير هذا ، ولا حجة لهم فيه ، لما نذكر إن شاء الله تعالى ، فنقول : وبالله تعالى التوفيق - : إن هذا الخبر صحيح ، وليس فيه إلا أن رفع اليدين فيما عدا تكبيرة الإحرام ليس فرضا فقط ، ولولا هذا الخبر لكان رفع اليدين - عند كل رفع وخفض وتكبير وتحميد في الصلاة - : فرضا ; لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع اليدين عند كل رفع على ما نذكر بعد هذا إن شاء الله عز وجل .

وصح عنه عليه السلام أنه قال : { صلوا كما تروني أصلي } وقد ذكرناه بإسناده في كتابنا هذا في باب وجوب الأذان والإقامة .

فلولا حديث ابن مسعود هذا لكان فرضا على كل مصل أن يصلي كما كان عليه السلام يصلي .

وكان عليه السلام يصلي رافعا يديه عند كل رفع وخفض ، لكن لما صح خبر ابن مسعود علمنا أن رفع اليدين فيما عدا تكبيرة الإحرام : سنة وندب فقط ؟ وإن كان علي ، وابن مسعود رضي الله عنهما لا يرفعان ، فقد كان ابن عمر ، وابن عباس ، وجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون فليس فعل بعضهم حجة على فعل بعض ، بل الحجة على جميعهم ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى كل حال فإن كان ابن مسعود ، وعلي : لا يرفعان ، فما جاء قط أنهما كرها الرفع ، ولا نهيا عنه كما يفعل هؤلاء وأما من رأى رفع اليدين عند الركوع ، والرفع من الركوع ، فإنهم احتجوا بما [ ص: 5 ] رويناه من طريق مالك ، ويونس بن يزيد ، وسفيان بن عيينة ، وابن جريج ، والزبيدي ، ومعمر ، وغيرهم ، كلهم عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة ، وإذا كبر للركوع ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، رفعهما أيضا كذلك ، وكان لا يفعل ذلك في السجود } .

وروينا هذا الفعل في الصلاة عن جابر بن عبد الله ، وأبي سعيد ، وأبي الدرداء ، وأم الدرداء وابن عباس .

وروينا أيضا هذا الفعل في الصلاة عن أبي موسى الأشعري ، وأنه كان يعلمه الناس من طريق حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن أبي موسى الأشعري .

وروينا أيضا عن أبي الزبير وأبي هريرة ، والنعمان بن أبي عياش ، وجملة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن معاذ بن معاذ عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن " كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرفعون أيديهم إذا أحرموا وإذا ركعوا وإذا رفعوا كأنها المراوح " .

ورويناه أيضا - عن عبد الرحمن بن سابط ، والحسن ، والقاسم ، وسالم ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وابن سيرين ، ونافع مولى ابن عمر ، وقتادة ، والحسن بن مسلم وابن أبي نجيح ، وعبد الله بن دينار ، ومكحول ، ومعتمر بن سليمان ، ويحيى بن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وإسماعيل بن علية ، والليث بن سعد ، والأوزاعي ، وسفيان بن عيينة ، والحميدي ، وجرير بن عبد الحميد وعبد الله بن المبارك وابن وهب ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، والمزني ، وأبي ثور ، ومحمد بن نصر المروزي ، ومحمد بن جرير الطبري ، وابن المنذر ، وابني عبد الله بن عبد الحكم ، والربيع [ ص: 6 ] ومحمد بن نمير ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني ، ويزيد بن هارون ، وغيرهم .

وأما من ذهب إلى رفع اليدين في كل خفض ورفع فاحتجوا بما حدثناه حمام بن أحمد ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل ثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ثنا المعتمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم : { أنه كان يرفع يديه إذا جاء الصلاة ، وإذا أراد أن يركع . وإذا رفع رأسه من الركوع ، وإذا قام من الركعتين يرفع يديه في ذلك كله } .

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ثنا إبراهيم بن أحمد ثنا الفربري ثنا البخاري ثنا عياش قال : ثنا عبد الأعلى ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر : { أنه كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده رفع يديه ، وإذا قام من الركعتين رفع يديه } ، ورفع ابن عمر ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

ورواه أيضا حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم .

حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن إسحاق بن السليم ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود ثنا عثمان بن أبي شيبة ، ومحمد بن عبيد المحاربي قالا : ثنا ابن فضيل عن عاصم بن كليب عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال : { كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام في الركعتين كبر ورفع يديه } .

حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن الملك ثنا محمد بن بكر ثنا أبو داود ثنا أحمد بن حنبل ثنا أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد - ثنا عبد الحميد بن جعفر أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء قال : سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب [ ص: 7 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبو قتادة .

فقال أبو حميد : { أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : فلم ؟ فوالله ما كنت بأكثرنا تبعة ولا أقدمنا له صحبة قال : بلى قالوا : فاعرض ؟ فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ، ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلا ثم يقرأ ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه ثم يعتدل ، فلا يصب رأسه ولا يقنع ثم يرفع رأسه فيقول : سمع الله لمن حمده ، ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه }

وذكر الحديث وفيه { ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة ، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته - وذكر باقي الحديث - قالوا : صدقت هكذا كان يصلي } .

حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا عمر بن عبد الملك ثنا ابن الأعرابي ثنا أبو داود [ حدثنا ] عبيد الله بن ميسرة الجشمي ثنا عبد الوارث هو ابن سعيد - ثنا محمد بن جحادة حدثني عبد الجبار بن وائل [ قال : كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي فحدثني [ ص: 8 ] علقمة بن وائل ] عن وائل بن حجر قال : { صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا كبر رفع يديه ، ثم التحف ، ثم أخذ شماله بيمينه وأدخل يديه في ثوبه ، فإذا أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما ، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع رفع يديه ، ثم سجد ، ووضع وجهه بين كفيه ، وإذا رفع رأسه من السجود أيضا رفع يديه ، حتى فرغ من صلاته . قال محمد بن جحادة : فذكرت ذلك للحسن بن أبي الحسن فقال : هي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله من فعله وتركه من تركه } .

حدثنا عبد الله بن ربيع ثنا محمد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب أنا محمد بن المثنى ثنا معاذ بن هشام الدستوائي وعبد الأعلى ومحمد بن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة .

وقال معاذ : حدثني أبي عن قتادة .

ثم اتفقوا ، عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث : { رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في صلاته إذا ركع ، وإذا رفع رأسه من ركوعه وإذا سجد ، وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بهما فروع أذنيه } هذا لفظ ابن أبي عدي ، وعبد الأعلى وقال معاذ في حديثه : { كان عليه السلام إذا دخل في الصلاة رفع يديه ، وإذا ركع [ ص: 9 ] فعل مثل ذلك ، وإذا رفع رأسه فعل مثل ذلك } .

حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور ثنا وهب بن ميسرة ثنا محمد بن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن حميد عن أنس : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الركوع والسجود } .

قال علي : فهذه آثار متظاهرة متواترة عن ابن عمر ، وأبي حميد ، وأبي قتادة ، ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث ، وأنس ، وسواهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يوجب يقين العلم .

قال علي : فكان ما رواه الزهري عن سالم عن ابن عمر زائدا على ما رواه علقمة عن ابن مسعود ، ووجب أخذ الزيادة ; لأن ابن عمر حكى : أنه رأى ما لم يره ابن مسعود من رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه عند الركوع وعند الرفع من الركوع ، وكلاهما ثقة ، وكلاهما حكى ما شاهد ، وقد خفي على ابن مسعود رضي الله عنه أمر وضع اليدين على الركبتين ، فكيف وما تحمل كلا روايتيهما إلا على المشاهدة الصحيحة ؟

وكان ما رواه نافع ومحارب بن دثار ، كلاهما عن ابن عمر ، وما رواه أبو حميد وأبو قتادة وثمانية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رفع اليدين عند القيام إلى الركعتين - : زيادة على ما رواه الزهري عن سالم عن ابن عمر ، وكل ثقة ، وكل مصدق فيما ذكر أنه سمعه ورآه - وأخذ الزيادة واجب ؟ .

وكان ما رواه أنس من رفع اليدين عند السجود - : زيادة على ما رواه ابن عمر ، والكل ثقة فيما روى وما شاهد وما رواه مالك بن الحويرث من رفع اليدين في كل ركوع ورفع من ركوع ، وكل [ ص: 10 ] سجود ورفع من سجود - : زائدا على كل ذلك ، والكل ثقات فيما رووه وما سمعوه وأخذ الزيادات فرض لا يجوز تركه ، لأن الزيادات حكم قائم بنفسه ، رواه من علمه ، ولا يضره سكوت من لم يروه عن روايته كسائر الأحكام كلها ولا فرق ؟ وممن قال بما ذكرناه : ابن عمر ، كما أوردنا قبل من عمله ، والحسن البصري ، والصحابة ، جملة كما أوردناه - : حدثنا يونس بن عبد الله ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ثنا أحمد بن خالد ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن بشار ثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر : أنه كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة ، وإذا ركع ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، وإذا سجد ، وبين الركعتين ، يرفعهما إلى ثدييه .

قال علي : هذا إسناد لا داخلة فيه ، وما كان ابن عمر ليرجع إلى خلاف ما روى - من ترك الرفع عند السجود - إلا وقد صح عنده فعل النبي صلى الله عليه وسلم لذلك - : حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا أحمد بن عبد البصير ثنا قاسم بن أصبغ ثنا محمد بن عبد السلام الخشني ثنا محمد بن المثنى ثنا أبو سهل النضر بن كثير السعدي قال : صلى إلى جنبي ابن طاوس في مسجد الخيف بمنى ، فكان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى رفع يديه تلقاء وجهه ، فأنكرت ذلك ، وقلت لوهيب بن خالد : إن هذا يصنع شيئا لم أر أحدا يصنعه ؟ فقال ابن طاوس : رأيت أبي يصنعه ، وقال لي : رأيت عبد الله بن عباس يصنعه .

حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ثنا عبد الله بن علي الباجي ثنا أحمد بن خالد ثنا الحسن بن أحمد ثنا محمد بن عبيد بن حساب ثنا حماد بن زيد عن أيوب السختياني قال : رأيت طاوسا ونافعا مولى ابن عمر يرفعان أيديهما بين السجدتين ، قال حماد : وكان أيوب يفعله

حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الأعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق عن ابن جريج : قلت لعطاء : رأيتك تكبر بيديك حين تستفتح ، وحين تركع وحين ترفع رأسك من الركعة ، وحين ترفع رأسك من السجدة الأولى ، ومن الآخرة ، وحين تستوي من مثنى ؟ قال : أجل . [ ص: 11 ] قلت : تخلف باليدين الأذنين ؟ قال : لا ، قد بلغني ذلك عن عثمان أنه كان يخلف بيديه أذنيه . قال ابن جريج : قلت لعطاء : وفي التطوع من التكبير باليدين ؟ قال : نعم ، في كل صلاة .

التالي السابق


الخدمات العلمية