صفحة جزء
760 - مسألة : ومن أسلم بعدما تبين الفجر له ، أو بلغ كذلك ، أو رأت الطهر [ من الحيض ] كذلك ، أو من النفاس كذلك ، أو أفاق من مرضه كذلك ، أو قدم من سفره كذلك - فإنهم يأكلون باقي نهارهم ويطئون من نسائهم من لم تبلغ ، أو من طهرت في يومها ذلك ، ويستأنفون الصوم من غد - ولا قضاء على من أسلم ، أو بلغ ; وتقضي الحائض ، والمفيق ، والقادم ، والنفساء . وقد اختلف الناس في بعض هذا - : [ ص: 382 ] فروينا عن إبراهيم النخعي أنه قال في الحائض تطهر بعد طلوع الفجر : لا تأكل إلى الليل ، كراهة التشبه بالمشركين . وبه يقول أبو حنيفة ، والأوزاعي ، والحسن بن حي ، وعبيد الله بن الحسن ، وعن عطاء - إن طهرت أول النهار فلتتم يومها ، وإن طهرت في آخره أكلت وشربت ; وبمثل قولنا يقول سفيان الثوري ، ومالك ، والشافعي ، وأبو سليمان . وأما الكافر يسلم - : فروينا عن عطاء إن - أسلم الكافر في يوم من رمضان صام ما مضى من الشهر وإن أسلم في آخر النهار صام ذلك اليوم . وعن عكرمة مثل ذلك ، وقال : هو بمنزلة المسافر يدخل في صلاة المقيمين . وعن الحسن مثل ذلك .

وقال أبو حنيفة في الصبي يبلغ بعد الفجر : أن عليه صوم ما بقي من يومه . وكذلك قال في المسافر يقدم بعد الفجر . قال أبو محمد : واحتج من أوجب صوم باقي اليوم بأن قال : قد كان الصبي قبل بلوغه مأمورا بالصيام فكيف بعد بلوغه . وقالوا : هلا جعلتم هؤلاء بمنزلة من بلغه الخبر أن الهلال رئي البارحة ؟ قلنا : هذا قياس ، والقياس كله باطل ، ثم لو كان القياس حقا لكان هذا منه باطلا لأن الذي جاءه خبر الهلال كان مأمورا بصوم ذلك اليوم لو علم أنه من رمضان أو أنه فرضه . وكل من ذكرنا فهم عالمون بوجوب الصوم على غيرهم ، وبدخول رمضان ، إلا أن فيهم من هو منهي عن الصوم جملة ; ولو صام كان عاصيا : كالحائض ، والنفساء ، والمسافر ، والمريض الذي يؤذيه الصوم . وفيهم من هو غير مخاطب بالصوم ، ولو صامه لم يجزه - وهو الصبي - وإنما يصوم إن صام تطوعا لا فرضا . [ ص: 383 ] وفيهم من هو مخاطب بالصوم بشرط أن يقدم الإسلام قبله ، وهو الكافر . وفيهم من هو مفسوح له في الصوم إن قدر عليه وفي الفطر إن شاء - وهو المريض الذي [ لا ] يشق عليه الصوم ; فكلهم غير ملزم ابتداء صوم ذلك اليوم بحال بخلاف من جاءه الخبر برؤية الهلال ، والذي جاءه الخبر برؤية الهلال يجزئه صيام باقي يومه ولا قضاء عليه ويعصي إن أكل ، وإنما اتبعنا فيمن بلغه أن اليوم [ من ] رمضان الخبر الوارد في ذلك فقط .

وأيضا : فإن من ذكرنا لا يختلف الحاضرون المخالفون لنا في أن التي طهرت من الحيض ، والنفاس ، والقادم من السفر ، والمفيق من المرض : لا يجزئهم صيام ذلك اليوم وعليهم قضاؤه .

ولا يختلفون في أن الذي بلغ ، والذي أسلم إن أكلا فليس عليهما قضاؤه ، فصح أنهم في هذا اليوم غير صائمين أصلا ، وإذا كانوا غير صائمين فلا معنى لصيامهم ، ولا أن يؤمروا بصوم ليس صوما ، ولا هم مؤدون به فرضا لله تعالى ، ولا هم عاصون له بتركه - وبالله تعالى التوفيق .

وأما من رأى القضاء في ذلك [ اليوم ] على من أسلم ؟ فقول لا دليل على صحته ، ولقد كان يلزم من رأى نية واحدة تجزئ للشهر كله في الصوم أن يقول بهذا القول ، وإلا فهم متناقضون . وروينا عن ابن مسعود أنه قال : من أكل أول النهار فليأكل آخره - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية