صفحة جزء
ومن طريق البخاري نا أبو النعمان هو محمد بن الفضل عارم - نا حماد بن زيد عن عبد الملك بن جريج عن عطاء عن جابر بن عبد الله ، وعن طاوس عن ابن عباس قالا جميعا : { قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم صبح رابعة من ذي الحجة يهلون بالحج لا يخلطه شيء ; فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة ، وأن نحل إلى نسائنا ففشت في ذلك القالة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : بلغني أن قوما يقولون كذا وكذا والله لأنا أبر وأتقى لله منهم ، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أن معي الهدي لأحللت ؟ فقام سراقة بن جعشم فقال : يا رسول الله هي لنا أو للأبد ؟ قال : لا بل للأبد } .

قال أبو محمد : وهكذا رواه مجاهد عن ابن عباس ، ومحمد بن علي بن الحسين عن جابر - : قال أبو محمد : فبطل التخصيص والنسخ وأمن [ من ] ذلك أبدا ، ووالله إن من سمع هذا الخبر ثم عارض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام أحد ولو أنه كلام أمي المؤمنين حفصة ، وعائشة ، وأبويهما رضي الله عنهم لهالك ; فكيف بأكذوبات كنسج العنكبوت الذي هو أوهن البيوت ؟ عن الحارث بن بلال ، والمرقع ، وسليمان أو سليم الذين لا يدرى من هم في الخلق ، وموسى الربذي ، وكفاك وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وليس لأحد [ ص: 100 ] أن يقتصر بقوله عليه السلام { دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة } على أنه أراد جوازها في أشهر الحج دون ما بينه جابر ، وابن عباس من إنكاره عليه السلام أن يكون الفسخ لهم خاصة أو لعامهم دون ذلك ، ومن فعل ذلك فقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا .

قال أبو محمد : وأتى بعضهم بطامة ، وهي أنه ذكر الخبر الثابت عن ابن عباس أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة من ذي الحجة فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا : يا رسول الله أي الحل ؟ قال : الحل كله " فقال قائلهم : إنما أمرهم عليه السلام بذلك ليوقفهم على جواز العمرة في أشهر الحج قولا وعملا .

قال أبو محمد : وهذه عظيمة ; أول ذلك أنه كذب على النبي صلى الله عليه وسلم في دعواهم أنه إنما أمرهم بفسخ الحج في عمرة ليعلمهم جواز العمرة في أشهر الحج .

ثم يقال لهم : هبك لو كان ذلك ومعاذ الله من أن يكون أبحق أمر أم بباطل ؟ فإن قالوا : بباطل كفروا ، وإن قالوا : بحق ؟ قلنا : فليكن أمره عليه السلام بذلك لأي وجه كان قد صار حقا واجبا ، ثم لو كان هذا الهوس الذي قالوه فلأي معنى كان يخص بذلك من لم يسق الهدي دون من ساق ؟ وأطم من هذا كله أن هذا الجاهل القائل بذلك قد علم أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر بهم في ذي القعدة عاما بعد عام قبل الفتح ، ثم اعتمر في ذي القعدة عام الفتح ، ثم قال لهم في حجة الوداع في ذي الحليفة : من شاء منكم أن يهل بعمرة فليفعل ، ومن شاء أن يهل بحج وعمرة فليفعل ، ومن شاء أن يهل بحج فليفعل ; ففعلوا كل ذلك ، فيا لله ويا للمسلمين أبلغ الصحابة رضي الله عنهم من البلادة ، والبله ، والجهل أن لا يعرفوا مع هذا كله أن العمرة جائزة في أشهر الحج ؟ وقد عملوها معه عليه السلام عاما بعد عام بعد عام [ في أشهر الحج ] حتى يحتاج إلى أن يفسخ حجهم في عمرة ليعلموا جواز ذلك ، تالله إن الحمير لتميز الطريق من أقل من هذا ; فكم هذا الإقدام والجرأة على مدافعة السنن [ ص: 101 ] الثابتة في نصر التقليد ؟ مرة بالكذب المفضوح ، ومرة بالحماقة المشهورة ، ومرة بالغثاثة والبرد - حسبنا الله ونعم الوكيل ، والحمد لله على السلامة .

واحتج بعضهم في جواز الإفراد بالحج بالخبر الثابت من طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم { والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما } .

قال أبو محمد : كل مسلم فلا يشك في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم هذا إلا بوحي من الله عز وجل إليه لا يمكن غير هذا أصلا ; ولا شك في أن وحي الله عز وجل لا يترك بشك لأنه عز وجل لا يشك ، فصح أن هذا الشك من قبل أبي هريرة أو ممن دونه لا من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لو صح أنه من قبله عليه السلام لكان ذلك إذ كان الإفراد مباحا ، ثم نسخ بأمره عليه السلام من لا هدي معه بالمتعة ولا بد ، ومن معه الهدي بالقران ولا بد .

قال علي : فظهر الحق واضحا والحمد لله رب العالمين ، وقال مالك : الإفراد أفضل ، ووافقنا هو والشافعي في صفة التمتع والقران لمن أراد أن يكون قارنا أو متمتعا ، وكل ذلك جائز عندهما لمن ساق الهدي ولمن لم يسقه .

وقال الشافعي مرة : الإفراد أفضل ، ومرة قال : التمتع أفضل ، ومرة قال : القران أفضل ; وكل ذلك عنده جائز كما ذكرنا .

وأما أبو حنيفة فإنه قال : القران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد ، وكل ذلك جائز عنده لمن ساق الهدي ولمن لم يسقه إلا أنه خالف في صفة التمتع والقران على ما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى .

وأما الإشعار : فإن عبد الله بن ربيع نا قال : نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا عمرو بن علي الفلاس نا يحيى بن سعيد القطان نا شعبة عن قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان بذي الحليفة أمر ببدنته فأشعر في سنامها من الشق الأيمن ثم سلت الدم عنها وقلدها نعلين } وذكر باقي الخبر . [ ص: 102 ] وبه إلى عمرو بن علي نا وكيع حدثني أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة أم المؤمنين { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشعر بدنه } .

ورويناه أيضا من طريق المسور بن مخرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم نا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا إبراهيم بن أحمد نا الفربري نا البخاري نا أبو النعمان هو محمد بن الفضل عارم - نا عبد الواحد هو ابن زياد - نا الأعمش نا إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد عن عائشة أم المؤمنين قالت : كنت أفتل القلائد للنبي صلى الله عليه وسلم فيقلد الغنم ويقيم في أهله حلالا .

ورويناه أيضا من طريق أبي معاوية عن الأعمش ، والحكم بن عتيبة ، ومنصور ، كلهم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أم المؤمنين .

قال أبو محمد : ولم يأت في البقر شيء من هذا ، وروينا كما نذكر بعد هذا - إن شاء الله تعالى - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليا بأن يقسم لحوم البدن وجلالها ; فصح التجليل فيها .

وروينا من طريق ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : لا هدي إلا ما قلد وأشعر ووقف بعرفة . ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء عن ابن عباس : إن شئت فأشعر ، وإن شئت فلا تشعر ، وإن شئت فقلد ، وإن شئت فلا تقلد .

ومن طريق ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود أنه أرسل إلى عائشة أم المؤمنين في إشعار البدنة ؟ فقالت : إن شئت ، إنما تشعر ليعلم أنها بدنة .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه كان يشعر في الشق الأيمن حين يريد أن يحرم . ومن طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه قال : تشعرها من الأيمن - [ ص: 103 ] ومن طريق وكيع نا أفلح هو ابن حميد - قال : رأيت القاسم بن محمد أشعرها في الجانب الأيمن -

وهو قول الشافعي ; وأبي سليمان ; ومن طريق عبد الرزاق عن عمر بن ذر بن أبي رباح قال : رأيت عائشة أم المؤمنين تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا .

ومن طريق ابن أبي شيبة نا ابن أبي عدي عن محمد بن عمرو عن محمد بن عباس قال : لقد رأيت الغنم يؤتى بها مقلدة .

ومن طريق ابن أبي شيبة نا حاتم بن وردان عن برد عن عطاء قال : رأيت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوقون الغنم مقلدة .

وعن حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء قال : رأيت الكباش تقلد ; وعن وكيع عن بسام عن أبي جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال : رأيت الكباش تقلد - ومن طريق ابن طاوس عن أبيه قال : رأيت الغنم تقلد .

ومن طريق سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري عن عبيد الله بن أبي يزيد قال : رأيت الغنم تقدم مكة مقلدة .

قال أبو محمد : واختلف الناس في هذا فقال أبو حنيفة : أكره الإشعار ، وهو مثلة - قال علي : هذه طامة من طوام العالم أن يكون مثله شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم أف لكل عقل يتعقب - حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلزمه أن تكون الحجامة ، وفتح العرق : مثله فيمنع من ذلك ، وأن يكون القصاص من قطع الأنف ، وقلع الأسنان ، وجدع الأذنين : مثلة ; وأن يكون قطع السارق والمحارب : مثلة ; والرجم للزاني المحصن : مثلة ، والصلب للمحارب : مثلة ، إنما المثلة فعل من بلغ نفسه مبلغ انتقاد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا هو الذي مثل بنفسه ; والإشعار كان في حجة الوداع والنهي عن المثلة كان قبل قيام ذلك بأعوام ; فصح أنه ليس مثلة وهذه قولة : لا يعلم لأبي حنيفة فيها متقدم من السلف ، ولا موافق من فقهاء أهل عصره إلا من ابتلاه الله بتقليده ونعوذ بالله من البلاء - وقال أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، ومالك : يشعر في الجانب الأيسر .

قال أبو محمد : وهذا خلاف السنة كما ذكرنا فإن قالوا : قد رويتم عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا كانت بدنة واحدة أشعرها في الجانب الأيسر وإذا كانت بدنتين قلد إحداهما في الجانب الأيمن ، والأخرى في الأيسر . [ ص: 104 ] وعن مجاهد كانوا يستحبون الإشعار في الجانب الأيسر ؟ قلنا : هذا مما اختلف فيه عن ابن عمر ; وعلى كل حال فليس هو قولكم ، وسالم ابنه أوثق وأجل وأعلم به من نافع روى عنه الإشعار في الجانب الأيمن كما أوردنا ، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والعجب من احتجاجهم بابن عمر في فعل قد اختلف عنه فيه فمرة عليهم ومرة ليس لهم ، وهم قد خالفوا قوله الذي لم يختلف عنه فيه من أنه لا هدي إلا ما قلد وأشعر ، وهذا مما خالف فيه المالكيون عمل أهل المدينة كما ذكرنا .

فإن قيل : فلم لم تقولوا أنتم : بأنه لا يكون هديا إلا ما أشعر ؟ للحديث الذي رويتم آنفا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { أنه أمر ببدنته فأشعر في سنامها } ؟ قلنا : ليس في هذا الخبر أمر بالإشعار ، ولو كان فيه لقلنا بإيجابه مسارعين ، وإنما فيه أنه أمر ببدنته فأشعر في سنامها فمقتضاه أنه أمر بها فأدنيت إليه فأشعر في سنامها ; لأنه هو عليه السلام تولى بيده إشعارها ، بذلك صح الأثر عنه عليه السلام كما ذكرنا .

وروينا عن أبي بن كعب ، وابن عمر إشعار البقر في أسنمتها .

وعن ابن عمر : الشاة لا تقلد .

ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خالفوا ابن عمر كما أوردنا آنفا في قوله في الهدي ، فمن الباطل احتجاجهم بمن لا مؤنة عليهم في مخالفته .

وروينا عن سعيد بن جبير : الإبل تقلد ، وتشعر ، والغنم لا تقلد ، ولا تشعر ، والبقر تقلد ، ولا تشعر - وقال أبو حنيفة ، ومالك : لا - تقلد الغنم - ورأى مالك إشعار البقر إن كانت لها أسنمة .

قال علي : وهذا خطأ ومقلوب ; بل الإبل : تقلد ، وتشعر ; والبقر : لا تقلد ، ولا تشعر ، والغنم : تقلد ، ولا تشعر .

وقال أبو حنيفة : لا يقلد إلا هدي المتعة ، والقران ، والتطوع من الإبل ، والبقر فقط : ولا يقلد : هدي الإحصار ، ولا الجماع ، ولا جزاء الصيد .

وقال مالك ، والشافعي : يقلد كل هدي ويشعر ; وهذا هو الصواب لعموم فعل النبي صلى الله عليه وسلم . [ ص: 105 ] قال علي : وقال بعض من أعماه الهوى وأصمه : إنما معنى ما روي عن عائشة من هدي الغنم مقلدة ; إنما هو أنها فتلت قلائد الهدي من الغنم - أي من صوف الغنم - : قال أبو محمد : وهذا استسهال للكذب البحت وخلاف لما رواه الناس عنها من إهدائه عليه السلام الغنم مقلدة - ونعوذ بالله العظيم من الخذلان .

التالي السابق


الخدمات العلمية