صفحة جزء
باب الإخوة والأخوات ( قال رحمه الله ) الأصل في توريثهم آيتان من كتاب الله تعالى إحداهما قوله تعالى { ، وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ ، أو أخت } معناه أخ ، أو أخت لأم هكذا في قراءة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وتسمى هذه الآية آية النساء لأنها في النساء نزلت والثانية قوله تعالى { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } إلى آخر السورة والمراد الإخوة والأخوات لأب وأم ، أو لأب هكذا قاله الصديق رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسمى هذه الآية آية الصيف لأن نزولها كان في الصيف ، ثم اختلفت الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم في معنى اللفظ المذكور في الآيتين وهو الكلالة أنه عبارة عما خلا عن الولد والوالد ، وفي آية النساء الكلام مبهم جدا ، وفي آية الصيف زيادة بيان بقوله عز وجل { إن امرؤ هلك ليس له ولد } وكان { عمر رضي الله عنه أحرص الناس على السؤال عن الكلالة حتى أنه روي لما ألح على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السؤال عنه وضع في صدره فقال أما يكفيك آية الصيف } ، وإنما أحاله على الآية ليجتهد في طلب معناها فينال ثواب المجتهدين وروي أن { ابن عمر رضي الله عنه قال لحفصة رضي الله عنها متى وجدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة نفس فسليه عن الكلالة فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثيابه يوما ليخرج فقالت حفصة أخبرني عن الكلالة يا رسول الله فقال عليه السلام أبوك أمرك بذلك ما أراه يعرف الكلالة فكان عمر رضي الله عنه يقول ما أراني أعرف الكلالة بعد ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال } وكان عمر رضي الله عنه يقول قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبين لنا ثلاثا ولو علمتها لكان أحب إلي من الدينا ، وما فيها الكلالة والخلابة والربا وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه أني رأيت في الكلالة رأيا فإن يك صوابا فمن الله ورسوله ، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان أرى الكلالة ما خلا عن الولد والوالد فاتبعه عمر رضي الله عنه على رأيه وقال لا أرضى [ ص: 152 ] من نفسي أني أنسب إلى مخالفة أبي بكر رضي الله عنه وأثبت ذلك في كتف فلما طعن وأيس من نفسه دعا بالكتف ومحاه وقال اشهدوا أني ألقى الله تعالى ولا قول لي في الكلالة ، ثم اتفق أكثر الصحابة أبو بكر وعلي وزيد وابن مسعود رضي الله عنهم أن الكلالة ما عدا الولد والوالد وهو قول جمهور العلماء وقد روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه ، وقد صح عنه في زوج وأبوين أن للأم ثلث جميع المال ، ولا يظن به أنه يسقط الأب بالأخ ، ولا أنه ينقص نصيبه من السدس بسبب الأخ ولم يبق السدس يعني أن الله تعالى أثبت للأخ لأم السدس إذا كانت المرأة كلالة وأما إذا ماتت المرأة عن زوج وأبوين وأخ لأم فعلى قول ابن عباس للزوج النصف وللأم ثلث جميع المال ولم يبق إلا السدس فلو كانت المسألة كلالة مع قيام الأب عنده لصار ذلك السدس للأخ لأم فيصير الأب محجوبا بسبب الأخ لأم ، ولا يظن به هذا فعرفنا أن الصحيح من مذهبه أن الكلالة ما خلا الولد والوالد وأظهر الروايتين عنه أن الكلالة ما خلا الولد فإن كان هناك والد فقلت إنهم يقولون ما عدا الوالد والولد فغضب فقال أنتم أعلم أم الله قال الله تعالى { قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد } يعني الكلالة هالك ليس له ولد وعامة الصحابة والعلماء استدلوا بحديث رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكلالة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ليس له ولد ، ولا والد } وأما الآية فقد قيل المراد بقوله { ليس له ولد } وهو يشمل الولد والوالد جميعا فإن اسم الولد مشتق من الولادة ويطلق ذلك على الوالد لتولد الولد منه وعلى الولد لتولده من الوالد كاسم الذرية يتناول الأولاد والآباء قال الله تعالى { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون } يعني آباءهم فسمي الأب بهذا الاسم لأن الولد ذري منه وسمي به الولد لأنه ذري من الأب والمراد بقوله عز وجل { ليس له ولد } الولد ومن يقوم مقام الولد .

( ألا ترى ) أن من له ولد ابن لا يكون كلالة لوجود من يقوم مقام الولد . فكذلك من له أب لا يكون كلالة لوجود من يقوم مقام الولد ومن حيث معنى اللغة والاشتقاق الحجة فيه لعامة العلماء رضي الله عنهم أن السبب نوعان سرد وكلالة فالسرد لا يتبع فردا فردا قال الله تعالى { وقدر في السرد } ومنه قول القائل

نسب توارث كابر عن كابر كالرمح أنبوبا على أنبوب

[ ص: 153 ] وهذا المعنى في الآباء والأولاد لأنه يتبع فردا فردا فعرفنا أن الكلالة ما سوى ذلك ومن حيث الاشتقاق لأهل اللغة ، ولأن أحدهما أن اشتقاق الكلالة من قولهم تكلله النسب أي أحاط به ومنه يقال تكلل الغمام السماء أي أحاط به من كل جانب ومنه الإكليل فإنه يحيط بجوانب الرأس ومنه الكل والمراد به الجمع والإحاطة ، وذلك لا يتحقق في الآباء والأولاد لأن اتصال كل واحد منهما بصاحبه من جانب واحد وإنما يتحقق هذا فيما سوى الآباء والأولاد فإن الاتصال يحيط من الجانبين ومن ذلك قول الفرزدق

ورثتم قناة المجد لا عن كلالة     عن ابني مناف عبد شمس وهاشم

وقيل اشتقاق الكلالة من قولهم حمل فلان على فلان ، ثم كل عنه أي بعد ومنه الكل وهو اسم لما تباعد عن المقصود ومعنى التباعد إنما يتحقق فيما عدا الوالد والولد لكون الاتصال بواسطة ، أو واسطتين ، أو واسطات والدليل عليه قول القائل

فإن أبا المرء أحمى له     ومولى الكلالة لا يغضب

. فقد أخرج الأب من الكلالة .

ثم اختلفوا في أن الكلالة اسم للميت أو للورثة فقال أبو عبيدة معمر بن المثنى هو اسم لميت ليس له ولد ولا والد وهو اختيار أهل البصرة وقال أهل الكوفة وأهل المدينة هو اسم لورثة ليس فيهم ولد ، ولا والد وحجة القول الأول قوله تعالى { وإن كان رجل يورث كلالة } أي يورث في حال ما يكون كلالة فهو نصب على الحال كما يقال ضرب زيدا قائما ، وإنما يورث الميت فعرفنا أن الكلالة صفة له وحجة القول الثاني قوله تعالى { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } أي يستفتونك عن الكلالة ، وإنما يستقيم الاستفتاء عن ورثة ليس فيهم ولد ولا والد فأما إذا سئل عن ميت ليس له ولد ولا والد لا يفهم بهذا السؤال شيء والآية قرئت بالنصب بيورث وبالكسر بورثة والقراءة بالكسر دليل على أن الكلالة اسم للورثة وتأويل القراءة بالنصب ما أشرنا إليه أن اسم الكلالة يتناول الورثة ويتناول الميت كاسم الأخ يتناول كل واحد منهما ، ثم قد ثبت بالسنة أن المراد بالكلالة الورثة قال عليه السلام { ومن ترك كلا وعيالا فعلي نفقته } يعني كلالة إذا عرفنا هذا فنقول الإخوة والأخوات أصناف ثلاثة بنو الأعيان وهم الإخوة والأخوات لأب وأم سموا بذلك لأن عين الشيء أتم ما يكون منه وتمام الاتصال من الجانبين في حقهم وبنو العلات وهم الإخوة والأخوات لأب قال القائل

ويوسف إذ دلاه أولاد علة     فأصبح في قعر الركية ثاويا

[ ص: 154 ] وبنو الأخياف وهو الإخوة والأخوات لأم سموا بذلك من قولهم فرس أخيف إذا كانت إحدى عينيه زرقاء والأخرى كحلا فنسب بإحدى عينيه إلى شيء وبأخرى إلى شيء آخر فحال الإخوة والأخوات لأم كذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية