صفحة جزء
الاعتكاف قربة مشروعة بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } فالإضافة إلى المساجد المختصة بالقرب وترك الوطء المباح لأجله دليل على أنه قربة والسنة حديث أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما أن { النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله تعالى } وقال الزهري : عجبا من الناس كيف تركوا الاعتكاف ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان [ ص: 115 ] يفعل الشيء ويتركه وما ترك الاعتكاف حتى قبض وفي الاعتكاف تفريغ القلب عن أمور الدنيا وتسليم النفس إلى بارئها والتحصن بحصن حصين وملازمة بيت الله تعالى ( قال ) عطاء مثل المعتكف كمثل رجل له حاجة إلى عظيم فيجلس على بابه ، ويقول : لا أبرح حتى تقضي حاجتي والمعتكف يجلس في بيت الله تعالى ، ويقول : لا أبرح حتى يغفر لي فهو أشرف الأعمال إذا كان عن إخلاص ثم جوازه يختص بمساجد الجماعات وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى قال : كل مسجد له إمام ومؤذن معلوم وتصلى فيه الصلوات الخمس بالجماعة فإنه يعتكف فيه وكان سعيد بن المسيب يقول : لا اعتكاف إلا في مسجدين مسجد المدينة والمسجد الحرام ومن العلماء من قال : لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد ، وضموا إلى هذين المسجدين المسجد الأقصى لقوله صلى الله عليه وسلم { لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام ومسجد إيلياء } يعني مسجد بيت المقدس والدليل على الجواز في سائر المساجد قوله تعالى { وأنتم عاكفون في المساجد } فعم المساجد في الذكر واختلفت الروايات عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما فروى أن حذيفة قال لابن مسعود عجبا من قوم عكوف بين دارك ودار أبي موسى وأنت لا تمنعهم فقال ابن مسعود ربما حفظوا ونسيت وأصابوا وأخطأت كل مسجد جماعة يعتكف فيه ، وروي أن ابن مسعود مر بقوم معتكفين فقال : لحذيفة وهل يكون الاعتكاف إلا في المسجد الحرام ؟ فقال حذيفة : رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { كل مسجد له إمام ومؤذن فإنه يعتكف فيه } وفي الكتاب ذكر عن حذيفة قال : لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة هذا بيان حكم الجواز فأما الأفضل فالاعتكاف في المسجد الحرام أفضل منه في سائر المساجد وروى محمد عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه كان يكره الجوار بمكة ويقول : إنها ليست بدار هجرة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر منها إلى المدينة وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا بأس بذلك ، وهو أفضل وعليه عمل الناس اليوم .

التالي السابق


الخدمات العلمية