صفحة جزء
( قال ) : قال رجل لامرأته : أنت طالق ملء الدار ، أو ملء الجب ، فإن نوى ثلاثا فثلاث ، وإلا فهي واحدة بائنة ; لأن الشيء يملأ الوعاء العظيمة في نفسه تارة ; ولكثرة عدده أخرى ، فإذا نوى الثلاث ، علمنا أنه أراد به كثرة العدد فكأنه قال [ ص: 125 ] أنت طالق أكثر العدد ، وإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة ; لأنه إنما أراد به الوصف بعظم التطليقة ، وذلك بأن يشتد حكمها ، وكذلك إن لم تكن له نية ; لأن في وقوع الواحدة يقينا ، وفيما زاد عليه شكا ، وإن نوى اثنتين ، فهي واحدة بائنة ; لأنه نوى مجرد العدد ، وذلك لا يسع في هذا اللفظ ، وإن قال : واحدة تملأ الدار فهي واحدة بائنة ، ولا تسع نية الثلاث هنا ; لأنه صرح بالواحدة فيبقى معنى الوصف بالعظم فتكون بائنة .

وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنها تكون رجعية ; لأنه وصف الطلاق بما لا يوصف به فكان لاغيا في وصفه كما لو قال : تطليقة تصيح ، أو تطير كان هذا الوصف لغوا ، ثم المذهب عند أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه متى صرح بلفظ العظم يكون الواقع بائنا سواء شبهها بعظيم ، أو صغير حتى إذا قال : عظم الجبل أو عظم رأس الإبرة أو الخردلة تكون بائنة ، وإن لم توصف بالعظم ، ولكن قال : مثل الجبل ، أو مثل رأس الإبرة تكون رجعية ، وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى تكون بائنا ، وقال زفر رحمه الله تعالى : إذا شبه التطليقة بما يكون عظيما عند الناس كالجبل ، تقع بائنة ، وإذا شبهها بما يكون حقيرا كالخردلة تكون رجعية .

وإذا قال : أنت طالق واحدة عظيمة ، أو كبيرة ، أو شديدة ، أو طويلة ، أو عريضة فوصفها بشيء يشددها به ; فهي بائنة في القضاء ، وفيما بينه وبين الله تعالى ; لما بينا أن مراده معنى الشدة عليها في حكمها ، وذلك في البائن ; لأنه لا ينفرد بالتدارك بخلاف الرجعي ، وإن قال : أنت طالق إلى الصين فهي واحدة رجعية ; لأنه لم يصفها بعظم ، ولا كبر إنما مدها إلى مكان ، والطلاق لا يحتمل ذلك نفسه ، ولا حكمه ولأنه بهذا اللفظ قصر حكم الطلاق ; لأنها إذا وقعت تكون واقعة من المشرق إلى المغرب ، فلا يثبت بهذا اللفظ زيادة شدة .

ولو قال : أنت طالق إلى الشتاء فهي طالق واحدة رجعية بعد الأجل كما في إلى شهر ، وكذلك لو قال : إلى الصيف ، ومعرفة دخول الشتاء بلبس أكثر الناس الفرو ، والثوب المحشو في ذلك الموضع ودخول الصيف بإلقاء أكثر الناس ذلك حتى يتعجب ممن يرى عليه بعد ذلك ، والربيع في آخر الشتاء قبل دخول الصيف إذا كان الناس بين لابس للمحشو ، وغير لابس لا يعيب بعضهم على بعض ، وكذلك الخريف في آخر الصيف قبل دخول الشتاء بهذه الصفة ، وقيل : الربيع إذا نبت العشب ، والصيف إذا احترق العشب وجف ، والخريف إذا أخذ الناس في التأهب للشتاء ، والشتاء إذا اشتد البرد في كل موضع .

التالي السابق


الخدمات العلمية