صفحة جزء
( قال ) : وإذا نفى الرجل حبل امرأته فقال هو من زنا فلا لعان بينهما ولا حد قبل الوضع في قول علمائنا .

وقال الشافعي : رحمه الله تعالى [ ص: 45 ] يلاعنها لحديث هلال بن أمية رضي الله عنه فإنه قذف امرأته بنفي الحمل وقد لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ; ولأن الحبل يعرف وجوده بالظاهر ويتعلق به أحكام شرعا نحو الرد بالعيب ، والميراث ، والوصية به وله فكذلك يثبت حكم اللعان بنفيه .

( وحجتنا ) ما قال في الكتاب أن نفي الحبل ليس بشيء ; لأنه لا يدري لعله ريح ، واللعان في قذف الزوج زوجته بمنزلة الحد في قذف الأجنبية فلا يجوز إقامته مع الشبهة بخلاف حكم الرد بالعيب فإنه يثبت مع الشبهات ، والإرث والوصية تتوقف على انفصال الولد ولا تتقرر في الحال ، فأما الحديث من أصحابنا من قال : إنه قذفها بالزنا نصا فإنه قال : وجدت شريك ابن سحماء على بطنها يزني بها ، ثم نفي الحبل بعد ذلك .

وعندنا إذا قذفها بالزنا نصا يلاعنها على أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف من طريق الوحي أنها حبلى حتى قال { إن جاءت به أحيمر على نعت كذا ، فهو لهلال بن أمية رضي الله عنه وإن جاءت به أسود جعدا حماليا فهو لشريك فجاءت به على النعت المكروه فقال صلى الله عليه وسلم لولا الأيمان التي سبقت لكان لي ولها شأن } ومثل هذا لا يعرف إلا بطريق الوحي ، ولا يتحقق مثله في زماننا ثم عند أبي حنيفة : إذا جاءت بالولد يثبت نسبه من الزوج ، ولا يجري اللعان بينهما بذلك النفي ، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - إذا جاءت بالولد لأكثر من ستة أشهر منذ نفي فكذلك ، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر لاعن ، ولزم الولد أمه ، لأنا تيقنا أن الحبل كان موجودا حين نفاه عن نفسه فكان هذا ونفيه بعد الولادة سواء .

والدليل عليه حكم الوصية والميراث فإنه يثبت إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر لتيقننا أنه كان موجودا وقت السبب . وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : أصل هذا القذف لم يكن موجبا للعان فلا يصير موجبا بعد ذلك ; لأنه حينئذ يكون هذا في معنى قذف مضاف ، والقذف لا يحتمل الإضافة ، ولا التعليق بالشرط وبه فارق الوصية والميراث ; لأنه يمكن إثباته على سبيل التوقف والإضافة إلى ما بعد الانفصال : يقرره أنه لو لاعنها قبل الوضع كما قال الشافعي يحكم على الحبل بقطع نسبه من الزوج ، إذ النسب من حق الولد ، وإلزام الحكم على الحمل لا يجوز فإذا تعذر نفي النسب عند النفي لا يصير محتملا للنفي بعد ذلك ، ولو لاعنها بعد الوضع لنفي النسب عنه وذلك لا يجوز وإذا تعذر نفي النسب يتعذر اللعان كما لو ولدت ولدا ميتا ، وإذا لاعنها بغير ولد فلها النفقة ، والسكنى في العدة ; لأن وقوع الفرقة بسبب من جهة الزوج ، ولهذا كان طلاقا فإذا جاءت بولد ما بينها وبين سنتين لزمه الولد ; لأنها جاءت به لمدة يتوهم [ ص: 46 ] أن العلوق في حال قيام النكاح ، وإن لم يكن عليها عدة لزمه الولد ما بينه وبين ستة أشهر ، كما لو وقعت الفرقة بينهما بسبب آخر ، ولو نفى هذا الولد لم يجر اللعان بينهما عندنا .

وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى يجري اللعان بينهما ; لأن الأصل عنده أن اللعان يجري لنفي الولد مقصودا ، ولهذا قال في النكاح الفاسد : إذا دخل بها الزوج ثم جاءت بولد فنفاه يجري اللعان بينهما لنفي الولد مقصودا ، وهذا ; لأنه محتاج إلى أن ينفي عن نفسه نسبا ليس منه ، واللعان مشروع لحاجته فأما عندنا حكم اللعان ثبت بالنص في الزوجات قال الله تعالى : { والذين يرمون أزواجهم } ولا زوجية في النكاح الفاسد ولا بعد البينونة ; ولأنه لو جرى اللعان بينهما إنما يجري لنفي الولد ، وقد حكم الشرع بثبوت نسب الولد منه حين أوجب المهر والعدة بالنكاح الفاسد ، وبعد الحكم بثبوت النسب لا يتصور نفيه : توضيحه أن نفي النسب تبع لقطع الزوجية ، والتفريق بينهما ، وقيام التبع بالمتبوع فإذا تعذر الحكم عليه بقطع الزوجية يمتنع جريان اللعان بينها .

التالي السابق


الخدمات العلمية