صفحة جزء
. ( قال ) : ولا يجوز التكفير بعد اليمين قبل الحنث عندنا وقال الشافعي رحمه الله تعالى : يجوز بالمال دون الصوم ، وإن كان يمينه على معصية فله في جواز التكفير قبل الحنث وجهان ، احتج بقوله تعالى { : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته } . وحرف الفاء للتعقيب مع الوصل فيقتضي جواز أداء الكفارة موصولا بعقد اليمين . قال صلى الله عليه وسلم { : من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليكفر يمينه ، وليأت الذي هو خير } ، وفي رواية { فليكفر ، ثم ليأت بالذي هو خير } ، وهذا تنصيص على الأمر بالتكفير قبل الحنث ، وأقل أحواله أن يفيد الجواز ; ولأن السبب للكفارة اليمين ، فإنها تضاف إلى اليمين ، والواجبات تضاف إلى أسبابها حقيقة ، ومن قال على يمين تلزمه الكفارة باعتبار أن التزام السبب يكون كناية عن الواجب به ، والدليل عليه اليمين بالطلاق فالسبب هناك اليمين دون الشرط ، حتى يكون الضمان على شهود اليمين دون شهود الشرط ، فكذلك اليمين بالله تعالى وإذا ثبت هذا فنقول أداء الحق المالي بعد وجود سبب الوجوب قبل الوجوب جائز كأداء الزكاة بعد كمال النصاب قبل الحول ، وأما البدني لا يجوز إلا بعد تقرر [ ص: 148 ] الوجوب ; لأن التكفير بالصوم للضرورة ولا ضرورة قبل تقرر الوجوب ; ولأن هذه كفارة مالية توقف وجوبها على معنى ، فيجوز أداؤها قبله ككفارة القتل في الآدمي والصيد إذا جرح مسلما ، ثم كفر بالمال قبل زهوق الروح ، أو جرح المحرم صيدا ثم كفر قبل موته يجوز بالمال بالاتفاق .

( وحجتنا ) في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم { : لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها ، وإذا حلفت على يمين ورأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك } وما رواه الشافعي رحمه الله تعالى محمول على التقديم والتأخير بدليل ما روينا ، وهذا لمعنيين أحدهما أن الأمر يفيد الوجوب حقيقة ، ولا وجوب قبل الحنث بالاتفاق ، والثاني أن قوله : فليكفر أمر بمطلق التكفير ، ولا يجوز مطلق التكفير إلا بعد الحنث ، أما قبل الحنث يجوز عنده بالمال دون الصوم ، وليس من باب التخصيص ; لأن ما يكفر به ليس في لفظه ، والتخصيص في الملفوظ الذي له عموم دون ما يثبت بطريق الاقتضاء ، والمعنى فيه أن مجرد اليمين ليس بسبب لوجوب الكفارة ; لأن أدنى حد السبب أن يكون مؤديا إلى الشيء طريقا له ، واليمين مانعة من الحنث محرمة له فكيف تكون موجبة لما يجب بعد الحنث ، ألا ترى أن الصوم والإحرام لما كان مانعا مما يجب به الكفارة ، وهو ارتكاب المحظور لم يكن بنفسه سببا لوجوب الكفارة بخلاف الجرح ، فإنه طريق يفضي إلى زهوق الروح ، وبخلاف كمال النصاب ، فإنه تحقق الغنى المؤدي إلى النماء الذي به يكون المال سببا لوجوب الزكاة ; ولأن الكفارة لا تجب إلا بعد ارتفاع اليمين ، فإن بالحنث اليمين يرتفع ، وما يكون سببا للشيء فالوجوب يترتب على تقرره لا على ارتفاعه .

والدليل عليه أن اليمن ليست بسبب التكفير بالصوم حتى يجوز أداؤه قبل الحنث ، وبعد وجوب السبب الأداء جائز ماليا كان أو بدنيا ، ألا ترى أن صوم المسافر في رمضان يجوز لوجود السبب ، وإن كان الأداء متأخرا إلى أن يدرك عدة من أيام أخر ، وإضافة الكفارة إلى اليمين ; لأنها تجب بحنث بعد اليمين ، كما تضاف الكفارة إلى الصوم ، والإحرام بهذا الطريق ولئن سلمنا أن اليمين سبب ، فالكفارة إنما تجب خلفا عن البر الواجب ليصير عند أدائها كأنه تم على بره ، ولا معتبر بالخلف في حال بقاء الواجب ، وقبل الحنث ما هو الأصل باق وهو البر ، فلا تكون الكفارة خلفا كما لا يكون التيمم طهارة مع القدرة على الماء ، يقرره أن الكفارة توبة كما قال الله تعالى في كفارة القتل { : توبة من الله } ، والتوبة قبل الذنب لا تكون ، وهو في عقد اليمين معظم حرمة [ ص: 149 ] اسم الله تعالى فأما الذنب في هتك حرمة اسم الله تعالى ، فالتكفير قبل الحنث بمنزلة الطهارة قبل الحدث بخلاف كفارة القتل ، فإنه جزاء جنايته ، وجنايته في الجرح إذ لا صنع له في زهوق الروح ، وبخلاف الزكاة ; لأنه شكر النعمة ، والنعمة المال دون مضي الحول ، فكان حولان ، الحول تأجيلا فيه ، والتأجيل لا ينفي الوجوب ، فكيف ينفي تقرر السبب ؟

التالي السابق


الخدمات العلمية