صفحة جزء
[ ص: 2 ] بسم الله الرحمن الرحيم كتاب السير

( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله تعالى اعلم أن السير جمع سيرة وبه سمي هذا الكتاب لأنه بين فيه سيرة المسلمين في المعاملة مع المشركين من أهل الحرب ومع أهل العهد منهم من المستأمنين وأهل الذمة ومع المرتدين الذين هم أخبث الكفار بالإنكار بعد الإقرار ومع أهل البغي الذين حالهم دون حال المشركين وإن كانوا جاهلين وفي التأويل مبطلين فأما بيان المعاملة مع المشركين فنقول الواجب دعاؤهم إلى الدين وقتال الممتنعين منهم من الإجابة لأن صفة هذه الأمة في الكتب المنزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبها كانوا خير الأمم قال الله تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس } الآية ورأس المعروف الإيمان بالله تعالى فعلى كل مؤمن أن يكون آمرا به داعيا إليه وأصل المنكر الشرك فهو أعظم ما يكون من الجهل والعناد لما فيه إنكار الحق من غير تأويل فعلى كل مؤمن أن ينهي عنه بما يقدر عليه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمورا في الابتداء بالصفح والإعراض عن المشركين قال الله تعالى { فاصفح الصفح الجميل } وقال تعالى { وأعرض عن المشركين } ثم أمر بالدعاء إلى الدين بالوعظ والمجادلة بالأحسن فقال تعالى { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } ثم أمر بالقتال إذا كانت البداية منهم فقال تعالى { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } أي أذن لهم في الدفع وقال تعالى { فإن قاتلوكم فاقتلوهم } وقال تعالى { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } ثم أمر بالبداية بالقتال فقال تعالى { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } وقال تعالى { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله } فاستقر الأمر على فرضية الجهاد مع المشركين وهو فرض قائم إلى قيام [ ص: 3 ] الساعة قال النبي صلى الله عليه وسلم { الجهاد ماض منذ بعثني الله تعالى إلى أن يقاتل آخر عصابة من أمتي الدجال } وقال صلى الله عليه وسلم { بعثت بالسيف بين يدي الساعة وجعل رزقي تحت ظل رمحي والذل والصغار على من خالفني ومن تشبه بقوم فهو منهم } وتفسيره منقول عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأربعة سيوف سيف قاتل به بنفسه عبدة الأوثان وسيف قاتل به أبو بكر رضي الله تعالى عنه عنه أهل الردة قال الله تعالى { تقاتلونهم أو يسلمون } وسيف قاتل به عمر رضي الله تعالى عنه المجوس وأهل الكتاب قال الله تعالى { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } الآية وسيف قاتل به علي رضي الله تعالى عنه المارقين والناكثين والقاسطين وهكذا روي عنه قال { أمرت بقتال المارقين والناكثين والقاسطين } قال الله تعالى { فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } ثم فريضة الجهاد على نوعين : أحدهما عين على كل من يقوى عليه بقدر طاقته وهو ما إذا كان النفير عاما قال الله تعالى { انفروا خفافا وثقالا } وقال تعالى { ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } إلى قوله { يعذبكم عذابا أليما } ونوع هو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين لحصول المقصود وهو كسر شوكة المشركين وإعزاز الدين لأنه لو جعل فرضا في كل وقت على كل أحد عاد على موضوعه بالنقض .

والمقصود أن يأمن المسلمون ويتمكنوا من القيام بمصالح دينهم ودنياهم فإذا اشتغل الكل بالجهاد لم يتفرغوا للقيام بمصالح دنياهم فلذلك قلنا إذا قام به البعض سقط عن الباقين وقد { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة يخرج وتارة يبعث غيره حتى قال وددت أن لا تخرج سرية أو جيش إلا وأنا معهم ولكن لا أجد ما أحملهم ولا تطيب أنفسهم بالتخلف عني ولوددت أن أقاتل في سبيل الله تعالى حتى أقتل ثم أحيا ثم أقتل } ففي هذا دليل على أن الجهاد وصفة الشهادة في الفضيلة بأعلى النهاية حتى تمنى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع درجة الرسالة .

وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : المجاهد في سبيل الله كالصائم القائم الراكع الساجد الشاهد } وفي حديث الحسن رضي الله تعالى عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : غدوة أو روحة في سبيل الله تعالى خير من الدنيا وما فيها } والآثار في فضيلة الجهاد كثيرة " وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سنام الدين " وعلى إمام المسلمين في كل وقت أن يبذل مجهوده في الخروج بنفسه أو يبعث الجيوش [ ص: 4 ] والسرايا من المسلمين ثم يثق بجميل وعد الله تعالى في نصرته بقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم } فإذا بعث جيشا ينبغي أن يؤمر عليهم أميرا هكذا كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن به يجتمع كلامهم وتتآلف قلوبهم وبذلك ينصرون قال الله تعالى { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم } وإنما يؤمر عليهم من يكون صالحا لذلك بأن يكون حسن التدبير في أمر الحرب ورعا مشفقا عليهم سخيا شجاعا ويحكى عن نصر بن سيار رحمه الله تعالى قال : اجتمع عظماء العجم وغيرهم على أن قائد الجيش ينبغي أن يكون فيه عشر خصال من خصال البهائم شجاعة كشجاعة الديك وتحنن كتحنن الدجاجة وقلب كقلب الأسد وروغان كروغان الثعلب أي صاحب مكر وحيلة وغارة كغارة الذئب وحذر كحذر الغراب وحرص كحرص الكركي وصبر على الجراح كالكلب وحملة كالجبهة وسمن كما يكون لدابة بخراسان لا تهزل بحال وإذا أمر عليهم بهذه الصفة فينبغي له أن يوصيه بهم كما بدأ الكتاب ببيانه .

ورواه عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى عن علقمة بن مرثد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهم قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا أو سرية أوصى صاحبهم بتقوى الله في خاصة نفسه } ففي هذا إشارة إلى الفرق بين الجيش والسرية فالسرية عدد قليل يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار والجيش هو الجمع العظيم الذي يجيش بعضهم في بعض قال صلى الله عليه وسلم { : خير الأصحاب أربعة وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يغلب اثنا عشر ألفا عن قلة إذا كانت كلمتهم واحدة } وفيه بيان أنه ينبغي للإمام أن يخص صاحب الجيش والسرية بالوصية لأنه يجعلهم تحت أمره وولايته فيوصيه بهم وفي تخصيصه بالوصية بيان أن عليهم طاعته فلا تظهر فائدة الإمارة إلا بذلك وقد أوصى أبو بكر رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان رحمه الله حين وجهه إلى الشام في حديث طويل ذكره في السير الكبير وإنما يوصيه بتقوى الله تعالى لأنه بالتقوى ينال النصرة والمدد من السماء قال الله تعالى { بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم } وبالتقوى يجتمع للمرء مصالح المعاش والمعاد قال صلى الله عليه وسلم { : ملاك دينكم الورع } وقال { : التقي ملجم } وقيل في معنى قوله في خاصة نفسه أنه كان يوصيه سرا حتى لا يقف على جميع ما يوصيه به غيره .

والأظهر أن المراد أنه كان يوصيه في حق نفسه أولا ثم يوصيه بمن معه من المسلمين خيرا قال صلى الله عليه وسلم { : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول } ونفسه [ ص: 5 ] إليه أقرب فكأنه كان يوصيه بحفظ نفسه من المهالك وحفظ من معه من المسلمين حتى لا يرضى لهم إلا بما يرضى لنفسه ولا يخص نفسه بشيء دونهم فبذلك يتحقق التألف وانقيادهم له ثم قال { : اغزوا باسم الله } أي : اخرجوا واقصدوا ، والغزو : القصد قال الله تعالى { أو كانوا غزى } وبين أنه ينبغي لهم أن يقصدوا على اسم الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم { كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله تعالى فهو أقطع } قال { : وفي سبيل الله } أي ليكن خروجكم لابتغاء مرضاة الله تعالى لا لطلب المال فالمجاهد يبذل نفسه وماله فإنما يربح على عمله إذا قصد به ابتغاء مرضاة الله تعالى فأما إذا كان قصده تحصيل المال فهو كرة خاسرة .

ثم قال { : قاتلوا من كفر بالله } فيه دليل فرضية القتال وأنهم يقاتلون لدفع فتنة الكفر ودفع شر الكفار وهذا عام لحقه خصوص فالمراد من كفر بالله من المقاتلين ألا ترى { أنه صلى الله عليه وسلم حين رأى امرأة مقتولة يوم فتح مكة استعظم ذلك وقال : هاه ما كانت هذه تقاتل } وإلى ذلك أشار في هذا الحديث بقوله { ولا تقتلوا وليدا } ثم قال { ولا تغلوا } والغلول السرقة من الغنيمة وهو حرام قال الله تعالى { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } قيل في التفسير : يجعل ذلك في قعر جهنم ويؤمر بإخراجه وكل ما انتهى إلى شفير جهنم يرجع في قعرها وقال صلى الله عليه وسلم { : الغلول من جمر جهنم } { والأسود الذي كان يرحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصابه سهم غرب فمات قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم : هنيئا له الشهادة فقال صلى الله عليه وسلم : كلا فإن العباءة التي غلها من المغنم لتشتعل عليه نارا يوم القيامة } وقال في خطبته { : ردوا الخيط والمخيط فالغلول عار وشنار على صاحبه يوم القيامة } قال { : ولا تغدروا } والغدر الخيانة ونقض العهد وهو حرام قال الله تعالى { : فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين } وقال صلى الله عليه وسلم { : لكل غادر لواء يركز عند باب استه يعرف به غدرته يوم القيامة } { وكان صلى الله عليه وسلم يكتب في العهود وفاء لا غدر فيه } قال { : ولا تمثلوا } والمثلة حرام كما روى عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال { : ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا بعد ما مثل بالعرنيين إلا ويحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة } فتخصيصه بالذكر في كل وقت وخطبة دليل على تأكيد الحرمة فيه قال { : ولا تقتلوا وليدا } والوليد المولود في اللغة وكل آدمي مولود ولكن هذا اللفظ إنما يستعمل في الصغار عادة ففيه دليل على أنه لا يحل قتل الصغار منهم إذا كانوا لا يقاتلون وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن قتل النساء والولدان وقال [ ص: 6 ] اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شروخهم } والمراد بالشيوخ البالغين وبالشروخ الأتباع من الصغار والنساء والاستحياء الاسترقاق قال الله تعالى { : واستحيوا نساءهم } وفي وصية أبي بكر رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان : لا تقتل شيخا ضرعا ولا صبيا ضعيفا يعني شيخا فانيا وصغيرا لا يقاتل .

قال { : وإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى الإسلام } وفي نسخ أبي حفص رضي الله عنه { : وإذا حاصرتم حصنا أو مدينة فادعوهم إلى الإسلام } وفيه دليل أنه ينبغي للغزاة أن يبدءوا بالدعاء إلى الإسلام وهو على وجهين فإن كانوا يقاتلون قوما لم تبلغهم الدعوة فلا يحل قتالهم حتى يدعوا لقوله تعالى { : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وقال ابن عباس رضي الله عنهما { : ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى دعاهم إلى الإسلام } وهذا لأنهم لا يدرون على ماذا يقاتلون فربما يظنون أنهم لصوص قصدوا أموالهم ولو علموا أنهم يقاتلون على الدعاء إلى الدين ربما أجابوا وانقادوا للحق فلهذا يجب تقديم الدعوة وإن كانوا قد بلغتهم الدعوة فالأحسن أن يدعوهم إلى الإسلام أيضا فالجد والمبالغة في الإنذار ربما ينفع { وكان صلى الله عليه وسلم إذا قاتل قوما من المشركين دعاهم إلى الإسلام ثم اشتغل بالصلاة وعاد بعد الفراغ إلى القتال جدد الدعوة } وإن تركوا ذلك وبيتوهم فلا بأس بذلك لأنهم علموا على ماذا يقاتلون ولو اشتغلوا بالدعوة ربما تحصنوا فلا يتمكن المسلمون منهم فكان لهم أن يقاتلوهم بغير دعوة على ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم { أمر أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه أن يغير على أبنى صباحا } وفي رواية { ابنان صباحا فإن أسلموا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم } وفيه دليل أنهم إذا أظهروا الإسلام وجب الكف عنهم وقبول ذلك عنهم وإليه أشار صلى الله عليه وسلم في قوله { فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم } وقال تعالى { : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا } .

( قال ) : ادعوهم إلى التحول من ديارهم إلى دار المهاجرين وهذا في وقت كانت الهجرة فريضة وذلك قبل فتح مكة كان يفترض على كل مسلم في قبيلته أن يهاجر إلى المدينة ليتعلم أحكام الدين وينضم إلى المؤمنين في القيام بنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى { والذين آمنوا ولم يهاجروا } الآية ثم انتسخ ذلك بعد الفتح بقوله صلى الله عليه وسلم { لا هجرة بعد الفتح وإنما هو جهاد ونية } وقال صلى الله عليه وسلم { : المهاجر من هجر السوء وهجر ما نهى الله تعالى عنه } قال { : فإن فعلوا ذلك فاقبلوا منهم وكفوا عنهم وإلا فأخبروهم أنهم كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المسلمين وليس لهم في الفيء ولا في الغنيمة نصيب } [ ص: 7 ] وهذا كان الحكم حين كانت الهجرة فريضة فأمرهم بأن يعلموهم بذلك وهو أن يجري عليهم حكم الله تعالى لالتزامهم وانقيادهم لدين الحق وليس لهم في الفيء ولا الغنيمة نصيب لامتناعهم من الجهاد والقيام بنصرة الدين أو الاشتغال بتعلم أحكام الدين ففيه دليل أن النصيب في الغنيمة والفيء لهذين الفريقين .

التالي السابق


الخدمات العلمية