صفحة جزء
قال : ( وإذا أحدث الإمام فلم يقدم أحدا حتى خرج من المسجد ، فإن صلاة القوم فاسدة ) ; لأنهم مقتدون فيها ولم يبق لهم إمام في مكانه وهو في المسجد ، ولم يبين في الكتاب حال الإمام ، وذكر الطحاوي رحمه الله تعالى أن صلاته تفسد أيضا ; لأن بعد سبق الحدث كان الاستخلاف ليصير هو في حكم المقتدى به كغيره فبترك الاستخلاف لما فسدت صلاة القوم فلأن تفسد صلاته كان أولى ، وذكر أبو عصمة رحمه الله تعالى أن صلاته لا تفسد ; لأنه في حق نفسه كالمنفرد ، فلا تفسد صلاته بالخروج من المسجد بعد سبق الحدث ، فعلى ما ذكره الطحاوي رحمه الله تعالى فساد صلاة القوم بطريق القياس على فساد صلاة إمامهم ، وعلى ما ذكره أبو عصمة وهو الأصح فساد صلاة القوم استحسان فكان ينبغي في القياس أن لا تفسد ، فإن بعد حدث الإمام بقوا مقتدين به حتى لو وجد الماء في المسجد [ ص: 177 ] فتوضأ وعاد إلى مكانه وأتم بهم الصلاة أجزأهم ، فكذلك بعد خروجه ولكنه استحسن ، وأراه قبيحا أن يكون القوم في الصلاة في مسجد وإمامهم في أهله ، فأما ما دام في المسجد فكأنه في المحراب ; لأن المسجد في كونه مكان الصلاة كبقعة واحدة فليس بينه وبينهم ما ينافي الاقتداء ، فأما بعد خروجه فقد صار بينه وبينهم ما ينافي الاقتداء فلهذا فسدت صلاتهم .

قال : ( فإن قدموا رجلا قبل خروج الإمام من المسجد فصلاته وصلاتهم تامة ) ; لأن تقديم القوم إياه كاستخلاف الإمام الأول ، ألا ترى أن في الإمامة العظمى لا فرق بين اجتماع الناس على رجل وبين استخلاف الإمام الأعظم . وهذا ; لأن الإمام في الاستخلاف ينظر لهم في إصلاح صلاتهم فيكون لهم أن ينظروا إلى أنفسهم أيضا ، فإن قدم كل فريق من القوم رجلا فسدت صلاتهم ; لأنها افتتحت بإمام واحد فلا يجوز إتمامها بإمامين ، ولو جاز ذلك لجاز بأكثر من اثنين فينوي كل واحد أن يؤم نفسه ، وهذا إذا استوى الفريقان في العدد ; لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر ، فأما إذا اقتدى جماعة من القوم بأحد الإمامين إلا رجلا أو رجلين اقتديا بالثاني فصلاة من اقتدى به الجماعة صحيحة ، وصلاة الآخرين فاسدة لقوله صلى الله عليه وسلم : { يد الله مع الجماعة فمن شذ شذ في النار } ، وقال عمر رحمه الله تعالى في الشورى إن اتفقوا على شيء وخالفهم واحد فاقتلوه ، فأما إذا اقتدى بكل إمام جماعة وأحد الفريقين أكثر عددا من الآخر ، فقد قال بعض مشايخنا : صلاة الأكثرين جائزة ويتعين الفساد في الآخرين كما في الواحد والمثنى ، والأصح أن تفسد صلاة الفريقين ; لأن كل واحد منهما جمع تام يتم به نصاب الجمعة فيكون الأقل مساويا للأكثر حكما ، كالمدعيين يقيم أحدهما شاهدين والآخر عشرة من الشهود ، وكذلك إن كان الإمام هو الذي قدم رجلين فهذا وتقديم القوم إياهما سواء ، وإن وصل أحدهما إلى موضع الإمامة قبل الآخر تعين للإمامة وجاز صلاته وصلاة من اقتدى به ; لأن الاستخلاف كان للضرورة وقد ارتفعت بوصوله إلى موضع الإمامة ، فاستخلاف الآخر وجوده كعدمه .

التالي السابق


الخدمات العلمية