صفحة جزء
وإذا اشترى دارا فوهب بناءها لرجل ، أو باعها منه ، أو تزوج عليها وهدم لم يكن للشفيع على البناء سبيل ; لأنه زايل الأرض ، وهو في نفسه منقول ، فلا يستحق بالشفعة ، ولكن يأخذ الأرض بحصتها من الثمن ; لأن هدم البناء كان بتسليط من المشتري ، فهو كما لو هدم بنفسه ، وإن كان لم يهدم فله أن يبطل تصرف المشتري ويأخذ الدار كلها بجميع الثمن ; لأن حقه في البناء ما دام متصلا بالأرض ثابت وللشفيع حق نقض تصرفات المشتري ، ألا ترى أنه لو تصرف في الأصل ، والهبة كان للشفيع أن ينقض ذلك ويأخذ بالشفعة فكذلك إذا تصرف في البناء ; ولأنه يأخذ الكل بالشفعة بحق تقدم ثبوت تصرف المشتري ، فهو بمنزلة الاستحقاق في إبطال تصرف المشتري فيه وإذا سلم الشفيع الشفعة للمشتري ، وهو لا يعلم بالشراء ، فهو تسليم ، وإن صدقه المشتري أنه لم يعلم ; لأنه صرح بإسقاط حقه بعد الوجوب وعلمه بحقه ليس بشرط في صحة الإسقاط باللفظ الموضوع له كالإبراء عن الدين وإيقاع الطلاق ، والعتاق ، والعفو عن القصاص ، وهذا بخلاف ما إذا ساومه ، وهو لا يعلم أنه اشتراه ( لأن المساومة ) غير موضوعة لإسقاط الشفعة ، وإنما تسقط الشفعة بها ; لما فيها من دليل الرضا من الشفيع ، ولا يتحقق ذلك إذا لم يعلم الشفيع به .

وإذا اتخذ المشتري الدار مسجدا ، ثم حضر الشفيع كان له أن ينقض المسجد ويأخذ الدار بالشفعة ( وروى الحسن ) عن أبي حنيفة أنه ليس له ذلك وهو مذهب الحسن ووجهه أن المسجد يتحرر عن حقوق العباد ، فيكون بمنزلة إعتاق العبد وحق الشفيع لا يكون أقوى من حق المرتهن في المرهون ، ثم حق المرتهن لا يمنع حق الراهن فكذلك حق الشفيع لا يمنع صحة جعل الدار مسجدا ووجه ظاهر الرواية أن للشفيع في هذه البقعة حقا مقدما على حق المشتري ، وذلك يمنع صحة جعله مسجدا ; لأن [ ص: 114 ] المسجد يكون لله تعالى خالصا ، ألا ترى أنه لو جعل جزءا شائعا من داره مسجدا ، أو جعل وسط داره مسجدا لم يجز ذلك ; لأنه لم يصر خالصا لله تعالى فكذلك ما فيه حق الشفعة إذا جعله مسجدا وهذا ; لأنه في معنى مسجد الضرار ; لأنه قصد الإضرار بالشفيع من حيث إبطال حقه ، فإذا لم يصح ذلك كان للشفيع أن يأخذ الدار بالشفعة ، ويرفع المشتري بناءه المحدث .

التالي السابق


الخدمات العلمية