صفحة جزء
وإذا استأجر الرجلان [ ص: 29 ] فسطاطا من الكوفة إلى مكة ذاهبا وجائيا فقال أحدهما إني أريد أن آتي بالبصرة . وقال الآخر إني أريد أن أرجع إلى الكوفة وأراد كل واحد منهما أن يأخذ الفسطاط من صاحبه فالمسألة على ثلاثة أوجه إما أن يدفع الكوفي إلى البصري ، أو البصري إلى الكوفي ، أو يختصما فيه إلى القاضي بمكة . فأما إذا دفعه الكوفي إلى البصري فذهب به إلى البصرة واستعمله فلرب الفسطاط أن يضمن البصري قيمته إن هلك ; لأنه غاصب مستعمل في غير الموضع الذي أذن له صاحبه فيه .

وكذلك إن لم ينصبه فهو بالإمساك في غير الموضع الذي أذن له صاحبه فيه يكون ضامنا قيمته إن هلك وعليهما حصة الذهاب من الأجر ولا أجر على واحد منهما في الرجوع أما البصري فلأنه ما رجع من الكوفة ، وقد تقرر عليه ضمان القيمة وأما الكوفي فلأنه لا يكون متمكنا من استيفاء المعقود عليه في الرجوع حين ذهب البصري بالفسطاط ، وإن أراد صاحبه أن يضمن الكوفي فإن أقر أنه أمره أن يذهب به إلى البصرة كان له أن يضمنه نصف قيمته ; لأن النصف كان أمانة في يده ، وقد تعدى بالتسليم إلى صاحبه ليمسكه على خلاف ما رضي به صاحبه فكان له أن يضمنه ويضمن البصري نصف قيمته .

وإن قال الكوفي لم آمره أن يذهب به إلى البصرة ، ولكني دفعته إليه ليمسكه حتى يرتحل فلا ضمان عليه ; لأن الفسطاط مما لا يحتمل القسمة فلكل واحد من المستأجرين أن يتركه في يد صاحبه ولا يكون تسليمه إلى صاحبه ليمسكه في الموضع الذي تناول الإذن موجب الضمان عليه والقول قوله في ذلك مع يمينه ; لأنه ينكر سبب وجوب الضمان عليه وصاحب الفسطاط يدعي ذلك عليه ، وإن دفعه البصري إلى الكوفي فرجع به إلى الكوفة فالكراء عليهما جميعا على البصري نصفه وعلى الكوفي نصفه ; لأن الكوفي استوفى المعقود عليه في الرجوع في نصيب نفسه باعتبار ملكه ، وفي نصيب البصري بتسليطه إياه على ذلك .

وذلك ينزل منزلة استيفائه بنفسه فيجب الكراء عليهما ولا ضمان على واحد منهما إن هلك قيل هذا قول محمد رحمه الله . فأما عند أبي يوسف رحمه الله ينبغي أن يكون البصري ضامنا ولا كراء عليه في الرجوع كما لو دفعه إلى أجنبي آخر ، وقد بيناه والأصح أنه قولهم جميعا ; لأن صاحب الفسطاط هنا قد رضي برأي كل واحد منهما في النصب واختيار الموضع لذلك بخلاف الأجنبي فصاحب الفسطاط هناك لم يرض برأيه في اختيار موضع النصب ، وإن غصبه الكوفي فعلى الكوفي حصته من الأجر ذاهبا وجائيا ; لأنه استوفى المعقود عليه وعلى البصري أجره ذاهبا ، وليس عليه أجر في الرجوع ; لأن نصيبه كان في يد الغاصب ولم يكن هو متمكنا من استيفاء المعقود عليه [ ص: 30 ] حين ذهب من طريق البصرة ، ويكون الكوفي ضامنا لنصف قيمته إن هلك ; لأنه غاصب للنصف من البصري فيكون ضامنا .

وإن ارتفعا إلى القاضي بمكة فللقاضي في ذلك رأي فإن شاء لم ينظر فيما يقولان حتى يقيما عنده البينة ; لأن صاحب الفسطاط غائب وهما يدعيان على القاضي وجوب النظر عليه في حق الغائب في ماله فلا يلتفت إلى ذلك إذا لم يعرف سببه فإن فعل القاضي بذلك ولم يجدا بينة فدفعه البصري إلى الكوفي فهو على الجواب الأول الذي قلنا إذا لم يرتفعا إلى القاضي . وإذا أقام البينة عنده على ما ادعيا قبلت البينة ; لأنهما أثبتا سبب وجوب ولايته في هذا المال ووجوب النظر للغائب وهذه بينة تكشف الحال فتقبل من غير الخصم أو القاضي كأنه الخصم في موجب هذه البينة ، ثم يحلف البصري على ما يريد من الرجعة إلى البصرة ; لأنه يدعي العذر الذي به يفسخ الإجارة في نصيبه ، وذلك شيء في ضميره لا يقف عليه غيره فيقبل قوله فيه مع يمينه ، وإن شاء نظر في حالهما من غير إقامة البينة احتياطا في حق الغائب .

وإذا حلف البصري فالقاضي يخرج الفسطاط من يده ; لأنها ليس من النظر للغائب ترك الفسطاط في يده ليذهب به إلى البصرة ، ولكنه يؤاجر نصيبه من كوفي مع الكوفي الأول ليتوصل صاحب الفسطاط إلى غير ملكه ويتوفر عليه الكراء بجميع الفسطاط في الرجوع ، وإن أراد الكوفي أن يستأجر نصيب البصري فهو أولى الوجوه ; لأن صاحب الفسطاط كان راضيا بكون الفسطاط في يده ، ولأن إجارته منه تجوز بالاتفاق ; لأنه إجارة المشاع من الشريك .

وذلك جائز وفعل القاضي فيما يرجع إلى النظر للغائب كفعل الغائب بنفسه ، وإن لم يرغب فيه حينئذ يؤاجره من كوفي آخر فيجوز ذلك على قول من يجوز إجارة المشاع وعلى قول من لا يجوز ذلك فهذا فصل مجتهد فيه . فإذا أمضاه القاضي باجتهاده نفذ ذلك منه ، وإن لم يجد من يستأجره من أهل الكوفة يدفع الفسطاط إلى الكوفي . وقال نصفه معك بالإجارة الأولى ونصفه معك وديعة حتى يبلغ صاحبه فهو جائز لما فيه من معنى النظر للغائب باتصال عين ملكه إليه وعلى الكوفي نصف الأجر في الرجوع ; لأنه استوفى المعقود عليه والشيوع طارئ فلا يمنع بقاء الإجارة ولا أجر على البصري في الرجعة ; لأنه استوفى المعقود عليه فسخ العقد بعذر عند القاضي ولا ضمان عليه أيضا ; لأن تسليمه إلى القاضي كتسليمه إلى صاحبه فالقاضي نائب عنه فيما يرجع عليه لذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية