صفحة جزء
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه شهد عنده أعمى فقالت أخت المشهود عليه إنه أعمى فذكر ذلك لعلي رضي الله عنه فرد شهادته ، وبه نأخذ وكان مالك رحمه الله يقول إن شهادة الأعمى مقبولة ; لأن الأعمى لا يقدح في الولاية والعدالة فباعتبارهما يجب قبول الشهادة بيانه أنه من أهل الولاية على نفسه فتتعدى ولايته إلى غيره عند وجود سبب التعدي وهو أهل للعدالة لانزجاره عما يعتقده حراما في دينه ; ولهذا قبلت رواية الأعمى فقد كان في الصحابة رضوان الله عليهم من هو أعمى ، وقد كان في الأنبياء عليهم السلام من ابتلى بذلك فدل أن الأعمى لا يقدح في العدالة وفوات العينين كفوات الرجلين واليدين فلا يؤثر في المنع من قبول شهادته ونحن نسلم هذا كله ، ولكن نقول يحتاج في تحمل الشهادة وأدائها إلى التمييز بين من له الحق وبين من عليه ، وقد عدم آلة التمييز حقيقة ; لأن الأعمى لا يميز بين الناس إلا بالصوت والنغمة فتتمكن من شهادته شبهة يمكن التحرز عنها بجنس المشهود ، وذلك مانع من قبول الشهادة . وقال زفر رحمه الله فيما لا يجوز الشهادة عليه إلا بالمعاينة لا شهادة للأعمى . فأما فيما تجوز الشهادة فيه بالتسامع تقبل شهادة الأعمى ; لأنه في السماع كالبصير ، وإنما عدم آلة العينين ، ولكنا نقول في أداء الشهادة هو محتاج إلى الإشارة إلى المشهود له والمشهود عليه ولا يتمكن من ذلك إلا بدليل مشتبه وهو الصوت والنغمة وعلى هذا الأصل قال أبو يوسف والشافعي رضي الله عنهما إذا تحمل الشهادة وهو بصير ، ثم أداها وهو أعمى تقبل شهادته ; لأن تحمله قد صح بطريق ثبت له العلم به ، وبعد صحة العلم إنما يحتاج إلى الحفظ والأعمى في ذلك كالبصير ويحتاج إلى الأداء باللسان والأعمى في ذلك كالبصير فتعريف المشهود له والمشهود عليه بذكر الاسم والنسب والإشارة إليهما بالطريق الذي يعلم أنه مصيب في ذلك يكفي لأداء الشهادة

( ألا ترى ) أن الأعمى يباح له وطء زوجته وجاريته ولا يميزهما من غيرهما إلا بالصوت والنغمة ، وأن البصير إذا شهد على ميت أو غائب يقام ذكر الاسم والنسب مقام الإشارة إلى العين في صحة أداء الشهادة فهذا مثله وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا لا تقبل شهادته لحديث علي رضي الله عنه فإنه لا يستفسر أنه وقت التحمل كان بصيرا ، أو أعمى ، وفي هذا الحديث دليل أن ذلك معروفا بينهم حتى لم يخف على النساء ، ولكن أبو يوسف رحمه الله يقول يحتمل [ ص: 130 ] أن ذلك كان في الحد ، وأنا أقول في الحدود إذا عمى قبل الأداء ، أو بعد الأداء قبل الإمضاء فإنه لا تعمل بشهادته ; لأن الحدود تندرئ بالشبهات والصوت والنغمة في حق الأعمى تقام مقام المعاينة في حق البصير والحدود لا تقام بما يقوم مقام الغير بخلاف الأموال والمعنى فيه أن في شهادة الأعمى تهمة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود ، وذلك يمنع قبول الشهادة كما في شهادة الأب لولده وبيان الوصف أنه يحتاج عند أداء الشهادة إلى التمييز بين المشهود له والمشهود عليه والإشارة إليهما وإلى المشهود به فيما يجب إحضاره وآلة هذا التمييز البصير ، وقد عدم الأعمى ذلك المعنى ، وإنما يميز بالصوت والنغمة ، أو بخبر الغير فكما لا يجوز له ولا للبصير أن يشهد بخبر الغير .

فكذلك لا تقبل شهادته إذا كان تمييزه بخبر الغير والأعمى في أداء الشهادة كالبصير إذا شهد من وراء الحجاب ، وهذا بخلاف الوطء فإنه يجوز أن يعتمد فيه على خبر الواحد إذا أخبره أن هذه امرأته ، وقد زفت إليه ، وهذا ; لأن الضرورة تتحقق فيه فالأعمى يحتاج إلى قضاء الشهوة والنسل كالبصير ولا ضرورة هنا ففي الشهود كثرة ، وهذا بخلاف الموت فإن ذلك لا يمكن التحرز عنه بجنس الشهود فالمدعي ، وإن استكثر من الشهود يحتاج إلى إقامة الاسم والنسبة مقام الإشارة عند موت المشهود عليه أو غيبته على أن هناك الإشارة تقع إلى وكيل الغائب ووصي الميت وهو في ذلك قائم مقامه ولا يقال بأنه ما كان يعلم عند الاستشهاد أن الشاهد يبتلى بالعمى ; لأن هذا المعنى يضعف بما إذا فسق الشاهد بعد التحمل فإن شهادته لا تقبل والمدعي ما كان يعلم أن الشاهد يفسق بعد التحمل ، ثم هذا في القصاص والحدود التي فيها حق العباد موجود وكم يعتبر مع عظم حرمتها فلأن لا يعتبر في الأموال مع خفة حرمتها أولى ، ثم بماذا يعرف أنه كان بصيرا وقت التحمل فإن قول الشاهد في ذلك غير مقبول وقول المدعي كذلك والمدعى عليه منكر للمشهود به أصلا ( قال ) ويتصور هذا فيما إذا جاء وهو بصير ليؤدي الشهادة فلم يتفرغ القاضي لسماع شهادته حتى عمى ، أو كان القاضي يعرف الوقت الذي عمى هو فيه وتاريخ المدعي سابق على ذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية