صفحة جزء
قال : ( رحمه الله ) وإذا ارتهن الرجل قلب فضة فيه عشرة دراهم بعشرة دراهم فهذه المسألة على ثلاثة أوجه : إما أن يكون قيمته مثل وزنه عشرة ، أو : قيمته أقل من وزنه ثمانية أو : قيمته أكثر من ، وزنه اثني عشر ، وكل وجه من ذلك على ، وجهين : إما أن يهلك القلب ، أو ينكسر ، أما إذا كانت قيمته مثل وزنه ، فإن هلك القلب سقط حق المرتهن ; لأن في وزنه ، وقيمته وفاء [ ص: 116 ] بالدين فيصير المرتهن مستوفيا كمال حقه بهلاكه ، وإن انكسر ، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف ( رحمهما الله ) : يضمن المرتهن قيمته إن شاء من جنسه ، وإن شاء من خلاف جنسه ; لأنه لا يمكن فيه الربا ، ويكون ما ضمنه رهنا عنده إلى أن يحل أجل الدين ثم يستوفيه ضامن حقه ، والمكسور مملوك له بالضمان ، وعند محمد ( رحمه الله ) يخير الراهن إن شاء سلم المكسور للمرتهن بدينه ، وإن شاء افتكه ببعض الدين ، وروى أصحاب ( الإملاء ) عن أبي يوسف .

وعن أبي حنيفة ( رحمهما الله ) أن الراهن يجبر على افتكاك اقتضاء جميع الدين ، وليس له أن يضمن المرتهن شيئا ، والأصل عند محمد ( رحمه الله ) أن حالة الانكسار معتبرة بحالة الهلاك ، والقلب عند الهلاك في هذا الفصل مضمون بالدين دون القيمة ، فكذلك عند الانكسار ; لأن ضمان القيمة يوجب الملك في المضمون للضامن ، وضمان الدين لا يوجب ذلك ، وسبب كل واحد من الضامنين القبض ، ولا يجوز أن يتعلق بشيء واحد ضمانان من جنسين مختلفين فعند تعذر الجمع بينهما لا بد أن يكون الثابت أحدهما وبالإجماع في حالة الهلاك : القلب مضمون بالدين هنا ، فكذلك في حالة الانكسار .

( ألا ترى ) أن المبيع لما كان مضمونا بالثمن استوى فيه حالة الهلاك ، وحالة الانكسار ، والمغصوب لما كان مضمونا بالقيمة استوى فيه حالة الهلاك ، وحالة الانكسار ، فهذه مثله إلا أن عند الهلاك يتم الاستيفاء حكما بين الوزن ; لأن الاستيفاء يكون من المالية ، والمالية في مال الربا عند المقابلة بالجنس يكون بقدر الوزن ، والكيل فأما عند الانكسار فلا يتم الاستيفاء لبقاء الوزن ، ولكنه يتخير الراهن إن شاء سلم المكسور للمرتهن ، وجعله في حكم الهلاك فيتم الاستيفاء ، وإن شاء افتكه بقضاء الدين ، كما إذا انكسر القلب المبيع يخير المشتري بين أن يأخذه ، ويؤدي جميع الثمن ، وبين أن يفسخ البيع ، ويجعله في حكم المستهلك وأبو حنيفة وأبو يوسف ( رحمهما الله ) قالا : ضمان الرهن ضمان استيفاء ، والاستيفاء يكون من المالية ، ومالية القلب باعتبار ، وزنه ، والوزن قائم بعد الانكسار من كل وجه ، فلا يمكن جعل المرتهن مستوفيا رضي به الراهن أو لم يرض ; لأن عند تسليم الراهن المكسور للمرتهن لا بد من القبول ; لأن المرتهن يمتلك المكسور ، وذلك ليس من حكم ضمان الاستيفاء إذا لم يهلك الرهن ، لا يملك المرتهن المرهون به ، ولهذا لو كان عبدا كان كفنه على الراهن ، وإذا تعذر جعل المرتهن مستوفيا قلنا : الراهن ما رضي بقبضه إلا على وجه يصير مستوفيا عند تعذر رده ، كما قبض فلا يكون راضيا بقبضه بدون هذا الشرط ، فالقلب في هذه الحال ، كالمقبوض بغير رضاه ، وهو المغصوب ، فيكون مضمونا بقيمته ، ويخير المالك بين [ ص: 117 ] أن يشترط المكسور ، ولا يبيعه بشيء ، وبين أن يضمنه قيمته ، ويملك المكسور بضمان القيمة ، وبهذا تبين أنا لا نثبت ضمانين باعتبار قبض واحد ، ولكن باعتبار قبضين معناه : أحدهما : قبض برضا المالك ، والآخر : قبض بغير رضاه ، وكالواحد منهما يعتبر في حالة أخرى ، وعلى الرواية الأخرى عند أبي حنيفة : لا يضمنه المرتهن شيئا ; لأن القبض بحكم الرهن يوجب ضمان الاستيفاء فقط ، والاستيفاء يكون من المالية ، وهو باعتبار الوزن ولم يفت شيء بالانكسار من الوزن ، إنما فاتت الصفة ، ولا قيمة للصفة في مال الربا عند المقابلة بجنسها ، وما لا قيمة له لا يكون مضمونا بحكم الرهن ، وفواته لا يسقط من الدين ، ولا يثبت الخيار للراهن ، كفوات الزيادة إذا لم يتمكن بحدوثها نقصان في الأصل .

وأما إذا كانت قيمة القلب أقل من وزنه فهلك فعند أبي حنيفة ( رحمه الله ) يصير المرتهن مستوفيا دينه ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد ( رحمهما الله ) يضمن قيمته من خلاف جنسه كي لا يؤدي إلى الربا ، ولا يسقط شيء من الدين ; لأنه لا يمكن أن يجعل مستوفيا قدر قيمته من الدين ، فإن استيفاء العشرة بثمانية ربا ، ولا يمكن أن يجعل مستوفيا لجميع دينه باعتبار الوزن ; لأن فيه اعتبار حق المرتهن في الجودة ، وكما يجب مراعاة حقه في الوزن يجب مراعاة حقه في الجودة ، ألا ترى أن الراهن ، ولو أراد قضاء دينه بما هو دون حقه في الجودة لا يملك ذلك بغير رضا المرتهن فإذا تعذر جعله مستوفيا ، يجعل كالمقبوض بغير إذن المالك ، فيكون مضمونا بالقيمة على القابض إذا هلك وأبو حنيفة يقول : ضمان الرهن ضمان استيفاء ، والاستيفاء يكون بالوزن ، وفي القلب وفاء بالدين ، فيجعل مستوفيا كمال حقه في معنى : أنه لما قبض الرهن مع علمه بهلاك الرهن يصير مستوفيا دينه باعتبار الوزن ، فكأنه رضي بدون حقه في الجودة ، وهذه المسألة نظير مسألة ( الجامع الصغير ) إذا كان له على غيره عشرة جياد وستوق ، فهلك في يده ثم علم أن المستوفى كان زيوفا فعند أبي حنيفة ( رحمه الله ) يسقط حقه ، وعند أبي يوسف ( رحمه الله ) نضمنه مثل المقبوض ، ويرجع بحقه .

ذكر قول محمد في تلك المسألة ، كقول أبي حنيفة قال : عيسى ، وهو قوله الأول ، أما قول الآخر فكقول أبي يوسف ( رحمه الله ) على قياس ما ذكره في ( كتاب الرهن ) إذ لا فرق بين النصيبين فإن الرهن مقبوض فيكون بمنزلة المقبوض بحقيقة الاستيفاء ، وهناك المستوفى إذا تعذر رده للهلاك سقط حقه ، ولا يرجع بشيء عند أبي حنيفة لمكان الجودة ، فكذلك في الرهن - وعندهما - هناك يضمن مثل المستوفي ، ومقام رد المثل مقام رد العين لمراعاة حقه في الجودة ، فكذلك في الرهن ، [ ص: 118 ] فإن قيل : كيف يستقيم هذا البناء ، وهناك عند القبض لو كان عالما بصفة المستوفى سقط حقه عندهم جميعا ، وهنا عند قبض الرهن هو عالم برداءة المقبوض ؟ قلنا : نعم ولكن عند قبض الرهن ما كان يعلم أنه يهلك في يده فيصير مستوفيا به حقه ، وإنما يتم الاستيفاء هنا عند هلاك الرهن فبمجرد قبض الرهن لا يتم رضاه بسقوط حقه عند الجودة وعندهما بمنزلة ما لو قبضه لاستيفاء حقين ، ولا يعلم أنه دون حقه في الجودة ، ولو انكسر القلب هنا ضمنه المرتهن قيمته من خلاف جنسه ، أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف ( رحمهما الله ) فظاهر ، وعند محمد حالة الانكسار معتبرة بحالة الهلاك ، وفي حالة الهلاك عنده في هذا الفصل : القلب مضمون بالقيمة دون الدين ، فكذلك عند الانكسار ، وإنما يضمنه قيمته من خلاف جنسه للتحرز عن الربا .

وأما إذا كانت قيمته اثني عشر ، فإنه إن هلك القلب سقط الدين عندهم جميعا ; لأن في الوزن وفاء بالدين ، وفي القيمة كذلك ، وزيادة القيمة على الدين كزيادة الوزن فيلغى ; فتكون تلك الزيادة أمانة ، ويصير مستوفيا كمال حقه بهلاك الرهن .

وذكر ابن سماعة : أن في قياس قول أبي يوسف يضمنه المرتهن قيمة خمسة أسداس القلب من خلاف جنسه ، ولا يسقط شيء من الدين ; لأنه لا يمكن أن يجعل مستوفيا دينه بجميع القلب ، فإن من أصله : أن الجودة لا تفصل عن الأصل في حكم الضمان ، وفي هذا إبطال حق الراهن عن الجودة ، فكما يراعى حق المرتهن في الجودة ، فكذلك يراعى حق الراهن ، ولا يمكن أن يجعل مستوفيا دينه بما يساوي عشرة من القلب ، وهو خمسة أسداسه ; لأن وزن ذلك ثمانية وثلث ، واستيفاء العشرة بثمانية وثلث يكون ربا ، فإذا تغير الاستيفاء قلنا : يضمن خمسة أسداس القلب من خلاف جنسه ، ويكون مرهونا بالدين ، ولكن الأول أصح لما بينا : أن زيادة الجودة لا تكون أعلى من زيادة الوزن ، والمرتهن آمن في تلك الزيادة ، فهلاكها في يده كهلاكها في يد الراهن .

وأما إذا انكسر القلب فعلى قول أبي حنيفة يضمن جميع القلب من خلاف جنسه ، ومن أصله أن المعتبر هو الوزن ، والصيغة تبع للوزن ، وليس للوزن هنا فضل على الدين ، فكان كله مضمونا بالدين ، وثبوت الحكم في التبع ، كثبوته في الأصل فمن ضرورة كون الأصل كله مضمونا ، أن تكون الجودة كلها مضمونة ، وحالة الانكسار ليست بحالة استيفاء الدين عنده ، فيكون ضامنا جميع القيمة من خلاف جنسه ، كما في المغصوب ، وروى بشر عن أبي يوسف ( رحمهما الله ) مثل هذه فأما ظاهر المذهب عند أبي يوسف فهو أن المرتهن يضمن قيمة خمسة أسداس القلب ، ويصير مملوكا له بالضمان ، وإنما نهي عنه للتحرز عن الشيوع في الرهن ، [ ص: 119 ] وقد بينا : أن الشيوع الطارئ في ظاهر الرواية كالشيوع المقارن ، وهذا ; لأن من أصل أبي يوسف أن الضمان ، والأمان تبع في الوزن ، والجودة ; لأن الجودة ، والصنعة لها حكم المالية مع الأصل ، ولهذا يعتبر من القلب في القلب الموصى به ، ولو باع الوصي قلب اليتيم بمثل ، وزنه لا يجوز ، ويجعل محاباته بالجودة ، والصنعة كمحاباته بالوزن ، وكذلك في القلب المغصوب باعتبار فوات الصنعة ، والجودة يصير الغاصب ضامنا ، وإذا تقرر هذا قلنا : خمسة أسداس القلب تصير مضمونة بجودته وصنعته ، وسدسه أمانة فالتغير بالانكسار فيما هو أمانة لا يعتبر فيما هو مضمون معتبر ، وحالة الانكسار ليست بحالة الاستيفاء عنده فيضمن قيمة خمسة أسداس من خلاف جنسه لهذه .

وأما عند محمد إن انتقص بالانكسار من قيمته درهم أو درهمان لجبر الراهن على الفكاك بقضاء جميع الدين ; لأن من أصله أن الضمان في الوزن ، والأمانة في الجودة والصنعة ، باعتبار أن الجودة ، والصنعة تابعة للوزن ، وأن الأمانة في المرهون كذلك فيجعل الأصل بمقابلة الأصل ، والتبع بمقابلة التبع ، وهذه ; لأن الصنعة مال من وجه كما قرره أبو يوسف : أنها مال تبعا للأصل ، ولكن ليس لها حكم المالية ، والتقوم منفردة عن الأصل ، كما أن حكم الرهن فيما هو أمانة ثابت من وجه وهو الحبس بالدين ، وليس بثابت في حكم الضمان فإذا كانت الأمانة هنا في الصنعة ، والجودة قلنا : إذا لم تنقص بالانكسار أكثر من درهمين ، فالثابت ما كان أمانة فيجبر الراهن على الفكاك ، وإن انتقص أكثر من ذلك فقد فات شيء من المضمون ، وحالة الانكسار عند محمد معتبرة بحالة الهلاك ، وفي هذا الفصل : عند الهلاك يصير مستوفيا دينه ، فكذلك عند الانكسار يكون مضمونا بالدين ، ويتخير الراهن ، كما بينا ، وسوى هذا فصلان آخران ، ينقسم الواحد منهما على عشرة أوجه .

وقد بينا ذلك فيما أنشأه من ( شرح الزيادات ) ، ولم يذكر محمد معناهما في هذا الباب فهذا لم يذكره هنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية