صفحة جزء
وإذا اشترى المضارب بمال المضاربة جارية ثم أشهد بعد ذلك أنه اشتراها لنفسه شراء مستقلا بمثل ذلك المال أو بربح ، وكان رب المال أذن له أن يعمل فيه برأيه ، أو لم يأذن فإن شراءه لنفسه باطل ، ولا ينبغي له أن يطأها وهي على المضاربة على حالها ; لأنه يشتري من نفسه لنفسه وأحد لا يملك ذلك غير الأب في حق ولده الصغير ، وهذا المعنى يضاد الأحكام .

وإن كان حين اشتراها بمال المضاربة أشهد أنه يشتريها لنفسه فإن كان رب المال أذن له في ذلك ; فذلك جائز وما اشترى فهو له ، وهو [ ص: 127 ] ضامن لرب المال ما نقد ; لأنه قضى بمال المضاربة دين نفسه ، فإن ثمن ما اشترى لنفسه يكون عليه .

وإن كان رب المال لم يأذن له في ذلك ; فالجارية على المضاربة ; لأنه أضاف الشراء إلى مال المضاربة وهو لا يملك التصرف في مال المضاربة إلا للمضاربة ، والمأمور بالتصرف لا يعزل نفسه في موافقته أمر الآمر كالوكيل بشراء شيء بعينه ، إذا اشترى ذلك الشيء لنفسه ; يكون مشتريا لرب المال ; لأنه يريد عزل نفسه في موافقة أمر الآمر . فأما إذا كان أذن له في ذلك فيتمكن من التصرف في هذا المال إلا للمضاربة ، ويصير رب المال بهذا الإذن كالمقرض للمال منه إن اشترى به لنفسه . وإن كان اشتراها على المضاربة ، وفيها فضل فأراد المضارب أن يأخذها لنفسه فباعها إياه رب المال بربح ; فذلك جائز ويستوفي رب المال من ذلك رأس ماله ، وحصته من الربح ، وقد خرج المال من المضاربة ; لأن رب المال ولو باعها من غيره برضاه جاز ، فكذلك إذا باعها منه ، وأكثر ما فيه أن للمضارب فيها شركة ، وشراء أحد الشريكين من صاحبه جائز في نصيبه ، ثم قد خرج المال من المضاربة ; لأنه حين اشتراها لنفسه فقد تحول حكم المضاربة إلى ثمنها ، والثمن مضمون في ذمة المضاربة ومن شرط المضاربة كون المال أمانة في يد المضارب ، فإذا صار مضمونا عليه بطلت المضاربة .

ولو كان رب المال أراد أخذ الجارية لنفسه فباعها إياه المضارب بزيادة على رأس المال ; فهو جائز عندنا ، وهو قول زفر لا يجوز ; لأن الملك فيها لرب المال حقيقة ، وللمضارب فيها حق وبيع الحق لا يجوز ، ولنا أن هذا تصرف مفيد ; لأنه يخرج به من المضاربة ما كان فيها ، ويدخل به في المضاربة ما لم يكن فيها وهو الثمن ، ومبنى التصرفات الشرعية على الفائدة ، فمتى كان مفيدا كان صحيحا كالمولى إذا اشترى عبدا من عبده المأذون المديون ، ويكون الثمن هنا على المضاربة ; لأن شرط المضاربة ما انعدم بصيرورة الثمن دينا في ذمة رب المال ، فإن العينية شرط ابتداء المضاربة ، فأما في حالة البقاء في ذمة رب المال وكونه في ذمة أجنبي آخر فسواء ، بخلاف الأول فيكون المال أمانة في يد المضارب بشرط بقاء العقد وابتدائه ، فإذا صار مضمونا عليه قلنا بأن المضاربة تبطل .

التالي السابق


الخدمات العلمية