صفحة جزء
( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله : اعلم بأن الوصية عقد مندوب إليه مرغوب ليس بفرض ولا واجب عند جمهور العلماء ، وقال بعض الناس الوصية للوالدين والأقربين إذا كانوا ممن لا يرثونه فرض ، وعند بعضهم الوصية واجبة على أحد ممن لم يرثوه واستدلوا بقوله - تعالى - : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين } والمكتوب علينا يكون فرضا ، وقال عليه السلام : { لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر إذا كان له مال يريد الوصية فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه } ، وحجتنا في ذلك أن الوصية مشروعة لنا لا علينا قال عليه السلام : { إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم فضعوه حيث شئتم أو قال حيث أحببتم } ، والمشروع لنا ما لا يكون فرضا ولا واجبا علينا بل يكون مندوبا إليه بمنزلة النوافل من العبادات ثم التبرع بعد الوفاء معتبر بالتبرع في حالة الحياة وذلك إحسان مندوب إليه ، وكذلك التبرع بالوصية بعد الموت ، وأما الآية فقد اتفق أكثر أهل التفسير على أن ذلك كان في الابتداء قبل أن ينزل آية المواريث ثم انتسخ ، وتكلموا في ناسخه وكان أبو بكر الرازي رحمه الله يقول : إنما انتسخ بقوله : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } فإنه نص على الميراث بعد وصية منكرة فلو كانت الوصية للوالدين والأقربين ثابتة بعد نزول هذه الآية [ ص: 143 ] لذكر الإرث بعد الوصية المعرفة ; لأن تلك وصية معهودة ، وهذا قول الشافعي أيضا بناء على مذهبه أنه لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة والرازي كان لا يجوز نسخ الكتاب إلا بالخبر المتواتر وأكثر مشايخنا رحمهم الله يقولون إنما انتسخ هذا الحكم بقوله عليه السلام : { إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث } ، وهذا حديث مشهور تلقته العلماء بالقبول والعمل به ونسخ الكتاب جائز بمثله عندنا ; لأن ما تلقته العلماء بالقبول والعمل به كالمسموع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو سمعناه يقول لا تعملوا بهذه الآية فإن حكمها منسوخ لم يجز العمل بها ولأجل شهرة هذا الحديث بدأ الكتاب به ورواه عن أبي قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا وصية لوارث } ، وفي بعض الرواية قال : { إلا أن يجيزه الورثة } ، وفي هذه الزيادة بيان أن المراد نفي الجواز لا نفي التحقيق ، ومن ضرورة نفي الجواز نفي الفرضية والوجوب ، والحديث مرسل بالطريق الذي رواه ولكن المراسيل حجة عندنا كالمسانيد أو أقوى من المسانيد ; لأن الراوي إذا سمع الحديث من واحد لا يشق عليه حفظ اسمه فيرويه مسندا وإذا سمعه من جماعة يشق عليه حفظ الرواية فيرسل الحديث فكان الإرسال من الراوي المعروف دليل شهرة الحديث ، فأما الحديث الذي رواه فهو شاذ فيما تعم به البلوى والوجوب لا يثبت بمثله ، ثم هو محمول على ما كان ابتداء قبل نزول آية المواريث أو المراد ذلك لا يليق بطريق الاحتياط والأخذ بمكارم الأخلاق لقوله عليه السلام : { لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت شبعان وجاره طاو إلى جنبه } ، والمراد ما بينا .

التالي السابق


الخدمات العلمية