صفحة جزء
باب إقرار الوارث لوارث معه فيصدقه صاحبه أو يكذبه ( قال ) الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله وإذا مات الرجل وترك ابنا لا وارث له غيره وترك مالا فأقر الابن لرجل أنه أخوه لأبيه فإنه لا يصدق على النسب حتى لا يثبت نسبه من الميت لا في رواية عن أبي يوسف قال إذا كان الابن واحدا يثبت النسب بإقراره بابن آخر لأنه قائم مقام أبيه فإقراره كإقرار الأب والأصل فيه ما روي { أن عبد الله بن ربيعة وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما لما تنازعا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ولد وليدة زمعة قال عبد الله ولد أبي ولد على فراش أبي وقال سعد ابن أخي عهد إلي فيه أخي فقال عليه السلام هو لك يا عبد الله الولد للفراش وللعاهر الحجر } فقد أثبت النسب من زمعة بإقرار عبد الله لأنه كان هذا الوارث دون أخته [ ص: 187 ] سودة فقد كانت مسلمة عند موت الأب وزمعة قتل كافرا وعبد كان على دينه يومئذ فكان هو الوارث خاصة . وجه ظاهر الرواية أنه يحمل هذا النسب على غيره بإقراره ، وإقراره لا يكون حجة على الغير ، وبيانه أن الأخوة لا تثبت بينهما إلا بواسطة الأب فما لم يثبت نسبه من أبيه لا يكون أخا له فعرفنا أنه يحمل نسبه على أبيه ، وإنما يقوم هو مقام الأب فيما يخلفه فيه من المال ، وفي النسب لا يخلفه فلا يكون قائما مقامه في الإقرار ، ولا حجة في حديث عبد بن زمعة لأن قوله عليه السلام هو لك قضاء بالملك لعبد في ذلك الولد فإنه كان ولد أمة أبيه ، وقوله : الولد للفراش لتحقيق نفي النسب من عتبة بن أبي وقاص فقد كان عاهرا لا فراش له ، على أنه روي أن تلك الوليدة كانت أم ولد لزمعة ، وليست ولد أم الولد بسبب من غير دعوة ، وفي بعض الروايات قال : عند أبي ولد على فراش أبي أقر به أبي ، فإنما أقامه مقام أبيه في إظهار إقراره بقوله ، ثم ثبوت النسب كان بإقرار معه لا بإقرار عبد ، ثم نقول : المقر له يشارك المقر في الميراث فيأخذ منه نصف ما ورث من الأب لأن في كلامه إقرارا بشيئين : بالنسب وبالشركة في الميراث .

والنسب إنما يقر به على غيره فلم يصح ، والشركة في الميراث إنما يقر بها على نفسه لأنه صار أحق بجميع الميراث فصح إقراره بذلك ، ولا يبعد أن يثبت له الشركة في الميراث ، وإن لم يثبت النسب كما لو قال لعبده ، وهو معروف النسب من غيره : هذا ابني فإنه يعتق عليه ، وإن لم يثبت نسبه منه فإن دفع النصف إليه ثم أقر بابن آخر لأبيه وكذبه الأول فيه ، وكذبه الآخر في الأول فإن كان دفع النصف إلى الأول بقضاء القاضي أخذ الآخر نصف ما بقي في يده لأنه بالكلام الثاني أقر أن حقه وحق الثاني في الشركة سواء ، وإقراره حجة في حقه فيدفع إليه نصف ما بقي في يده ، ولا يغرم له شيئا مما دفعه إلى الأول لأنه إنما دفع ذلك بقضاء القاضي فلا يصير ضامنا شيئا من ذلك المدفوع لأحد ، ويجعل ما أخذه الأول زيادة على حقه كالتاوي فيكون ضرر ذلك عليهما جميعا .

وإن كان دفعه إلى الأول بدون قضاء القاضي أخذ الآخر ثلثي ما بقي في يده ، وهو ثلث جميع المال لإقرار حق كل واحد منهم في ثلث المال ، وأنه دفع إلى الأول قدر السدس زيادة على حقه ، وإنما دفعه بعد قضاء فيكون ذلك محسوبا من نصيبه فيدفع إلى الآخر مما بقي في يده كمال حقه ، وهو ثلث جميع المال أو ما دفع إلى الأول زيادة على حقه كالقائم في يده حكما ، ويجعل كأن الباقي في يده ثلثا التركة فيدفع إلى الثاني نصف ذلك ، وهو ثلث جميع التركة ، والدليل على صحة الفرق بين الدفع بقضاء ، وغير قضاء أن الوصي إذا قضى دين بعض الغرماء من التركة [ ص: 188 ] بقضاء القاضي لم يكن ضامنا لسائر الغرماء شيئا .

ولو دفع بغير قضاء القاضي كان ضامنا حصة سائر الغرماء ، وكذلك لو كان الوارث هو الذي قضى بعض الغرماء دينهم ، وعلى هذا في جناية المدبر إذا دفع المولى القيمة ثم جنى جناية أخرى يفصل بين الدفع بقضاء ، وبغير قضاء في قول أبي حنيفة رحمه الله على ما بينا في الديات ، وهما يستويان هناك بين الدفع بقضاء ، وبغير قضاء ، والفرق لهم بحرف ، وهو أنه متى دفع إلى الأول ، وليس هناك حق واجب بغيره لم يكن ضامنا سواء دفع بقضاء أو بغير قضاء لأنه فعل بنفسه عين ما يأمر القاضي به لو رفع الأمر إليه ، ومتى كان حق الثاني ثابتا عند الدفع إلى الأول يفصل بين الدفع بقضاء ، وبغير قضاء بيانه فيما قال في كتاب العتق في المرض رجل زوج أمته واستوفى صداقها ثم أعتقها في صحته ثم مات ، ولم يدخل الزوج بها فيضرب الوارث في التركة ثم اختارت هي نفسها حتى صار الصداق دينا على المولى ، وهو مستغرق للتركة فإن تصرف الوارث في التركة لم ينفذ تصرفه ; لأن في الفصل الأول الدين لم يكن واجبا حين تصرف ، وفي الفصل الثاني واجبا حين تصرف ، وقد سبق نظائره في كتاب الرهن فهاهنا قد تبين بإقراره أن حق الثاني كان ثابتا حين دفع إلى الأول ففصل بين الدفع بقضاء ، وبغير قضاء ، وفي مسألة الجناية لم يتبين أن حق الثاني كان ثابتا حين دفع القيمة إلى الأول فلا يغرم الثاني شيئا سواء دفع بقضاء أو بغير قضاء .

وإن كان المقر دفع النصف إلى الأول بقضاء قاض ، ودفع الربع إلى الثاني بغير قضاء قاض ثم أقر بابن آخر ، وأنكر الأولان ، وأنكرهما الثالث أيضا فإن الثالث يأخذ منه ثلثي ما بقي في يده ، وهو سدس جميع الميراث ; لأنه لا يغرم له شيئا مما دفعه إلى الأول فإنه دفع ذلك بقضاء القاضي فيجعل ذلك كالتاوي يبقى نصف التركة في يده ، وقد أقر أن حقه وحق الثالث والثاني في هذا النصف سواء لكل واحد منهم ثلثه ، وهو سدس جميع الميراث ; لأنه لا يغرم له شيئا مما دفعه إلى الأول فإنه دفع ذلك بقضاء القاضي في المال ، وقد دفع إلى الثاني زيادة على حقه بغير قضاء القاضي فيكون ذلك محسوبا عليه من نصيبه فيدفع إلى الثالث كمال حقه ، وهو سدس جميع المال ثلثي ما بقي في يده ، وثلث المدفوع إلى الثاني لما كان محسوبا عليه جعل كالقائم في يده فكان الباقي في يده ثلثي النصف فيدفع إلى الثالث نصف ذلك ، وهو سدس جميع المال .

ولو كان دفع النصف إلى الأول بغير قضاء القاضي ، ودفع الثلث إلى الثاني بقضاء القاضي ثم أقر بالثالث فصدقه فيه الأول ، وكذبه الثاني وكذبا جميعا للثاني فإن الثالث يأخذ منه نصف ما بقي في يد الابن المعروف [ ص: 189 ] فيضمه إلى ما في يد المقر به الأول فيقتسمانه نصفين قال في بعض النسخ : وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ، وأما على قول محمد فيأخذ منه ثلث ما بقي في يده فيضمه إلى ما في يدي الأول فيقتسمانه نصفين ، وزعم كل واحد منهما أن تخريجه على قياس قول أبي حنيفة ، وذكر الخصاف طريقا آخر لتخريج جنس هذه المسائل ، وزعم أنه هو الصحيح على أصل أبي حنيفة رحمه الله ، وأجاب في هذه المسألة أن الثالث يأخذ منه خمسي ما بقي في يده فيضمه إلى ما في يدي المقر به الأول فيقتسمانه نصفين ، وهذه المسألة تنبني على ما بينا في كتاب الإقرار .

التالي السابق


الخدمات العلمية