صفحة جزء
( فرع ) يحرم علينا لا عليه صلى الله عليه وسلم الوصال بين صومين شرعيين عمدا مع علم النهي بلا عذر وإن لم ينو به التقرب قال جمع متقدمون وهو أن يستديم جميع أوصاف الصائمين وعليه فيزول بجماع أو نحوه لكن في المجموع أنه لا يمنعه واستظهره الإسنوي وقد يقال إن عللنا بالضعف وهو ما أطبقوا عليه اتجه ما في المجموع فلا يزول إلا بتعاطي ما من شأنه أن يقوي كسمسمة بخلاف نحو الجماع أو بأن فيه صورة إيقاع عبادة في غير محلها أثر أي : مفطر لكن كلام الأصحاب كالصريح في الأول ( وليصن ) ندبا من حيث الصوم فلا ينافي وجوبه من جهة أخرى ( لسانه عن الكذب والغيبة ) حتى المباحين بخلاف الواجبين ككذب لإنقاذ مظلوم وذكر عيب نحو خاطب [ ص: 424 ] وجميع جوارحه عن كل محرم لخبر البخاري { من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه } ونحو الغيبة المحرمة يبطل ثواب صومه كما دلت عليه الأخبار ونص عليه الشافعي والأصحاب وأقرهم في المجموع وبه يرد بحث الأذرعي حصوله وعليه إثم معصيته أي أخذا مما قاله المحققون في الصلاة في المغصوب وقال الأوزاعي يبطل أصل صومه وهو قياس مذهب أحمد في الصلاة في المغصوب وخبر خمس يفطرن الصائم الغيبة والنميمة والكذب والقبلة واليمين الفاجرة باطل كما في المجموع قال الماوردي وبفرض صحته فالمراد بطلان الثواب لا الصوم نفسه قال السبكي ومن هنا حسن عد الاحتراز عنه من أدب الصوم وإن كان واجبا مطلقا ا هـ .

وعن نحو الشتم ولو بحق فإن شتمه أحد فليقل ولو في نفل إني صائم لخبر الصحيحين بذلك أي يقوله في نفسه تذكيرا لها وبلسانه حيث لم يظن رياء مرتين أو ثلاثا زجرا لخصمه فإن اقتصر على أحدهما فالأولى بلسانه ( و ) ليصن ندبا أيضا ( نفسه عن الشهوات ) المباحة من مسموع ومبصر ومشموم كنظر ريحان أو مسه بل قال المتولي بكراهة نظره وجزم غيره بكراهة شم ما يصل ريحه لدماغه أو ملبوس فإن ذلك سر الصوم ومقصوده الأعظم ليتفرغ للعبادة على وجهها الأكمل ظاهرا وباطنا .


حاشية ابن قاسم

( قوله وجميع جوارحه ) عطف على قول المتن لسانه .

حاشية الشرواني

( قوله يحرم علينا لا عليه صلى الله عليه وسلم إلخ ) ولم ير ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما ذلك خصوصية له صلى الله عليه وسلم فكان يواصل وواصل مرة تسعة عشر يوما ثم أفطر على سمن ليلين أعضاءه وصبر ليقومها ولبن ؛ لأنه ألطف غذاء أيضا قال الأذرعي ولو قيل يختص التحريم بمن يتضرر به بخلاف ولي غذاؤه المعارف الإلهية لم يبعد إيعاب ( قوله بين صومين ) أي فرضين أو نفلين أو مختلفين إيعاب ونهاية ومغني ( قوله شرعيين ) قال الإسنوي وتعبير الرافعي أي : وغيره بأن يصوم يومين يقتضي أن المأمور بالإمساك كتارك النية لا يكون امتناعه ليلا من تعاطي المفطر وصالا ؛ لأنه ليس بين صومين إلا أن الظاهر أنه جرى على الغالب انتهى ا هـ نهاية زاد المغني وهذا ظاهر ؛ لأن تحريم الوصال للضعف عن الصيام والصلاة وسائر الطاعات ، وهو حاصل في هذه الحالة ا هـ . قال ع ش قوله م ر أنه جرى على الغالب أي : فلا فرق في حرمة الوصال بين كونه بين صومين أو لا ا هـ عبارة الإيعاب وعبر في المجموع باليومين تارة وبالصومين أخرى لبيان أن المراد بهما وجود صورة صوم فيهما أو حقيقته وحينئذ فلا يحتاج لقول الإسنوي إلخ ا هـ .

( قوله قال جمع متقدمون إلخ ) معتمد ع ش ( قوله فيزول بجماع إلخ ) وهذا هو الظاهر مغني وإيعاب وظاهر كلام النهاية اعتماده أيضا ( قوله في الأول ) أي : التعليل بالضعف ( قوله ندبا ) إلى قوله فإن اقتصر في المغني إلا قوله حتى المباحين إلى وجميع جوارحه وقوله كما دلت إلى وخبر إلخ ( قوله حتى المباحين ) أي : كالكذب لحاجة من إصلاح البين وغيره والغيبة لنحو تظلم كردي على بافضل ( قوله وجميع جوارحه ) إلى قوله فإن اقتصر في النهاية إلا قوله كما دلت إلى وعن نحو الشتم ( قوله [ ص: 424 ] وجميع جوارحه ) عطف على قول المتن لسانه سم ( قوله ونحو الغيبة المحرمة إلخ ) أي : دون المباح من ذلك فلا يحبط ثواب الصوم وإن ندب تركه كردي على بافضل .

( قوله يبطل ثواب صومه إلخ ) ولو اغتاب أي : مثلا وتاب لم تؤثر التوبة في النقص الحاصل بل في رفع الإثم فقط قاله السبكي تفقها وجرى عليه الخادم وكذلك المحرم لو رفث ثم تاب لا يمكننا أن نقول عاد حجه كاملا ولا فرق في التوبة بين أن يكون قبل القضاء زمن الصوم أو بعده إيعاب وفي ع ش عن عميرة مثله .

( قوله وبه يرد إلخ ) أي : بما ذكر من الأخبار والنصوص ( قوله حصوله ) أي : الثواب ( قوله مما قاله المحققون إلخ ) وهو حصول الثواب للمصلي في المغصوب لكن يأتي في الردة ما يخالفه والظاهر أنه الحق كردي ( قوله يبطل ) أي : ارتكاب الصائم محرما ( قوله وخبر خمس إلخ ) مبتدأ خبره قوله باطل ( قوله ومن هنا ) أي : بطلان ثواب الصوم بنحو الغيبة .

( قوله وإن كان إلخ ) أي الاحتراز عن ذلك و ( قوله مطلقا ) أي : على الصائم وغيره ( قوله وعن نحو الشتم ) عطف على قول المتن عن الكذب ( قوله تذكيرا لها ) أي : لتصبر ولا تشاتم فتذهب بركة صومها أسنى وإيعاب زاد المغني فائدة سئل أكثم بن صيفي كم وجدت في ابن آدم من عيب فقال هي أكثر من أن تحصى والذي أحصيته منها ثمانية آلاف عيب ويستر جميع ذلك حفظ اللسان ا هـ ( قوله وبلسانه إلخ ) وهو أي الجمع بين قلبه ولسانه .

( فائدة ) قال حج في فتاويه الحديثية في جواب هل الذكر اللساني أفضل أو غيره ؟ ما نصه " والذكر الخفي قد يطلق ويراد به ما هو لا بالقلب فقط وقد يراد به ما هو بالقلب واللسان بحيث يسمع نفسه ولا يسمعه غيره ، ومنه خير الذكر الخفي أي : لا يتطرق إليه الرياء وأما حيث لم يسمع نفسه فلا يعتد بحركه لسانه وإنما العبرة بما في قلبه على أن جماعة من أئمتنا وغيرهم يقولون لا ثواب في ذكر القلب وحده ولا مع اللسان حيث لم يسمع نفسه وينبغي حمله على أنه لا ثواب عليه من حيث الذكر المخصوص ، أما اشتغال القلب بذلك وتأمله لمعانيه واستغراقه في شهوده تعالى فلا شك أنه بمقتضى الأدلة يثاب عليه من هذه الحيثية الثواب الجزيل ويؤيده خبر البيهقي الذكر الذي لا تسمعه الحفظة يزيد على الذكر الذي تسمعه الحفظة سبعين ضعفا انتهى " ا هـ .

ع ش عبارة الشارح في فتاويه الحديثية الصغرى ، وسئل رضي الله عنه عن قول النووي في آخر مجلس الذكر من شرح مسلم ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من ذكر القلب ا هـ فهل يؤخذ من كلامه أنه إذا ذكر الله بقلبه دون لسانه أنه ينال الفضيلة إذا كان معذورا أم لا وهل إذا قرأ بقلبه دون لسانه من عذر ينال الفضيلة أم لا فأجاب بقوله الذكر بالقلب لا فضيلة فيه من حيث كونه ذكرا متعبدا بلفظه وإنما فيه فضيلة من حيث استحضاره لمعناه من تنزيه الله تعالى وإجلاله بقلبه وبهذا يجمع بين قول النووي المذكور وقولهم ذكر القلب لا ثواب فيه فمن نفى عنه الثواب أراد من حيث لفظه ومن أثبت فيه ثوابا أراد من حيث حضوره بقلبه كما ذكرناه فتأمل ذلك فإنه مهم ، ولا فرق في جميع ذلك بين المعذور وغيره والله أعلم ا هـ .

( قوله فالأولى بلسانه ) فيه تأمل ( قوله المباحة ) إلى قول المتن والقبلة في المغني إلا ما أنبه عليه وكذا في النهاية إلا قوله كنظر ريحان إلى فإن ذلك ( قوله من مسموع إلخ ) أي : وملموس مغني ( قوله كنظر ريحان إلخ ) أي : وسماع الغناء مغني ( قوله وملبوس ) ويكره له ذلك كله شرح بافضل ومغني ( قوله فإن ذلك إلخ ) أي : كف جوارحه عن تعاطي ما تشتهيه نهاية وإيعاب ( قوله ليتفرغ إلخ ) أي لتنكسر نفسه عن الهوى وتقوى على حقيقة التقوى إيعاب ونهاية .

( قوله على وجهها الأكمل إلخ ) قال في الأنوار ويكره أن يقول بحق الختم الذي على فمي نهاية وإيعاب قال ع ش ومثله الخاتم الذي على فم العباد ووجه الكراهة أنه حلف بغير الله تعالى وصفاته ا هـ .

التالي السابق


الخدمات العلمية