صفحة جزء
( كتاب الرهن ) هو لغة الثبوت ومنه الحالة الراهنة أو الحبس ومنه الخبر الصحيح { نفس المؤمن مرهونة بدينه حتى يقضى عنه دينه } أي محبوسة عن مقامها الكريم ولو في البرزخ إن عصى بالدين أو ما لم يخلف وفاء قولان ، لكن المنقول عن جمهور أصحابنا أنه لا فرق بين أن يخلف وفاء وأن لا ، قيل والتفصيل إنما هو رأي تفرد به الماوردي والكلام في غير الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وشرعا جعل عين مال وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر وفائه . وأصله قبل الإجماع آية [ ص: 51 ] { فرهان مقبوضة } أي فارهنوا واقبضوا ورهنه صلى الله عليه وسلم درعه عند أبي الشحم اليهودي وآثره ليسلم من نوع منة أو تكلف مياسير أصحابه بإبرائه أو عدم أخذ الرهن منه على ثلاثين صاعا من شعير لأهله متفق عليه .

والصحيح أنه مات ولم يفكه وأركانه عاقد ومرهون ومرهون به وصيغة وبدأ بها لأهميتها فقال ( لا يصح ) الرهن ( إلا بإيجاب وقبول ) أو استيجاب وإيجاب بشروطهما السابقة في البيع لأنه عقد مالي مثله ومن ثم جرى هنا خلاف المعاطاة ، ويؤخذ من هذا أنه لا بد من خطاب الوكيل هنا نظير ما مر في البيع وبحث صحة رهنت موكلك ، والفرق بأن أحكام البيع تتعلق بالوكيل دون أحكام الرهن فيه نظر بل تحكم ولو قال دفعت إليك هذا وثيقة بحقك علي فقال قبلت أو بعتك هذا بكذا على أن ترهنني دارك به فقال اشتريت ورهنتكان رهنا .


حاشية ابن قاسم

( كتاب الرهن ) [ ص: 51 ] قوله { فرهان مقبوضة } إلخ ) عبارة شرح الروض قال القاضي حسين معناه فارهنوا واقبضوا لأنه مصدر جعل جزاء للشرط بالفاء فجرى مجرى الأمر كقوله { فتحرير رقبة } { فضرب الرقاب } انتهى .

( قوله أو استيجاب وإيجاب ) هلا زاد أيضا أو استقبال وقبول ثم يشمل ذلك كله المتن بإرادة إيجاب وقبول ولو حكما ( قوله وبحث صحة رهنت موكلك ) [ ص: 52 ] أفتى بخلافه شيخنا الشهاب الرملي .

حاشية الشرواني

( كتاب الرهن ) ( قوله هو لغة ) إلى قوله قولان في النهاية ، وإلى المتن في المغني ، إلا قوله أو لم يخلف إلى والكلام ، وقوله وآثره إلى على ثلاثين ( قوله الثبوت ) أي والدوام ا هـ مغني ( قوله الراهنة ) أي الثابتة الموجودة الآن ( وقوله أو الحبس ) الأولى والحبس بالواو ؛ لأن المقصود أنه يطلق على كل منهما لغة لا أنه يطلق على أحدهما لا بعينه ا هـ ع ش وعبر المغني بالاحتباس بدل الحبس ( قوله بدينه ) سواء كان لآدمي أو لله تعالى ا هـ ع ش ( قوله أي محبوسة إلخ ) عبارة المغني أي محبوسة في القبر غير منبسطة مع الأرواح في عالم البرزخ وفي الآخرة معقولة عن دخول الجنة حتى يقضى عنه ا هـ .

( قوله ولو في البرزخ ) وهو المدة التي بين الموت والبعث فمن مات فقد دخل البرزخ ا هـ ع ش ( قوله إن عصى إلخ ) ظاهره وإن صرفه في مباح وتاب بعد ذلك وقياس ما يأتي في قسم الصدقات أن من عصى بالاستدانة وصرفه في مباح أعطى من الزكاة أن هذا كمن لم يعص ا هـ ع ش ( قوله قولان ) يعني هما قولان الأول يحبس إن عصى بالدين سواء خلف وفاء أو لا والثاني يحبس إن عصى بالدين إن لم يخلف وفاء هذا ما ظهر لي في حل عبارته والله أعلم .

( قوله لكن المنقول إلخ ) ظاهره ترجيح القول الأول لكن في ع ش ما نصه وفي حج ما يفيد أن الراجح عدم الفرق بين من خلف وفاء وغيره وبين من عصى بالدين وغيره وظاهر إطلاقه كالشارح م ر أنه لا فرق بين موته فجأة وبين كونه بمرض ولعل وجه حبس روحه حيث خلف ما يفي بالدين أنه كان التوفية قبل وفاته فهو منسوب إلى التقصير في الجملة فلا يرد أنه قد يكون مؤجلا والمؤجل إنما يجب وفاؤه بعد الحلول ا هـ وقوله وبين من عصى بالدين وغيره لعله أخذه من قول الشارح قيل والتفصيل إلخ وفيه أن الشارح ذكره بصيغة التمريض وقوله ولعل وجه حبس إلخ عبارة المغني والخبر محمول على غير الأنبياء تنزيها لهم وعلى من لم يخلف وفاء أي وقصر أما من لم يقصر بأن مات وهو معسر وفي عزمه الوفاء فلا تحبس نفسه ا هـ .

ومفهومه كما في البجيرمي عن العناني أن من خلف وفاء لا يحبس وإن لم يقض ؛ لأن التقصير حينئذ من الورثة فالإثم عليهم لتعلق الدين بالتركة فإذا تصرفوا فيها تعلق الدين بذمتهم وأما من مات ولم يخلف وفاء ولم يتمكن من أدائه فلا يكون نفسه مرهونة ؛ لأنه معذور ا هـ .

( قوله والتفصيل ) إشارة إلى هذين القولين يعني هما رأي الماوردي لا قولان ا هـ كردي ( قوله والكلام ) إلى المتن في النهاية إلا قوله وآثره إلى على ثلاثين ( قوله في غير الأنبياء إلخ ) أي وغير المكلفين كأن لزمهم دين بسبب إتلافهم ع ش وحلبي ( قوله وشرعا ) [ ص: 51 ] عطف على قوله لغة ( قوله أي فارهنوا إلخ ) عبارة شرح الروض قال القاضي معناه فارهنوا واقبضوا ؛ لأنه مصدر جعل جزاء للشرط بالفاء فجرى مجرى الأمر كقوله { فتحرير رقبة } { فضرب الرقاب } انتهى ا هـ سم . وقوله { فتحرير رقبة } أي ف وقوله { فضرب الرقاب } أي فاضربوا ضرب الرقاب ا هـ ع ش ( قوله أبي الشحم ) سمي به لكونه سمينا ا هـ بجيرمي ( قوله وآثره ليسلم إلخ ) التوجيه بالمنة لا يخلو من أنة وبالتكلف لا يخلو عن تعسف ؛ لأن المقطوع به بالنسبة إليهم رضي الله عنهم أنهم يرون المنة له صلى الله عليه وسلم في تأهيلهم لذلك وأنهم بريئون من التكلف بالنسبة لما يعملونه من أعمال البر مطلقا سيما بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأولى ما أشار إليه بعض العارفين من أن إيثاره لما فيه من مزيد التواضع ا هـ سيد عمر عبارة المغني فإن قيل هلا اقترض صلى الله عليه وسلم من المسلمين ؟ أجيب بأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك بيانا لجواز معاملة أهل الكتاب وقيل ؛ لأنه لم يكن عند أحد من مياسير أهل المدينة من المسلمين طعام فاضل عن حاجته ا هـ .

( قوله أو تكلف إلخ ) عطف على منة ( وقوله أو عدم إلخ ) عطف على إبرائه ( قوله على ثلاثين إلخ ) أي ثمن ثلاثين ويحتمل أنه عليها أنفسها لاقتراضها منه ونقل بالدرس عن فتح الباري الجزم بالأول فراجعه ا هـ ع ش .

( قوله والصحيح أنه مات ولم يفكه ) كذا في النهاية والمغني وقال البجيرمي والصحيح أنه افتكه قبل موته كما قاله القليوبي والبرماوي وخالف ع ش فقال الأصح أنه توفي ولم يفتكه ومثله في شرح م ر وهو ضعيف والمعول عليه ما قاله القليوبي عبارته والصحيح أنه افتكه قبل موته كما رأيته مصرحا به عن الماوردي وغيره من الأئمة ، وكون الدرع لم يؤخذ من اليهودي إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على بقائه على الرهن لاحتمال عدم المبادرة لأخذه بعد فكه وما في شرح شيخنا م ر غير مستقيم انتهى .

( قوله وأركانه إلخ ) والوثائق بالحقوق ثلاثة شهادة ورهن وضمان فالأول لخوف الجحد والآخران لخوف الإفلاس نهاية ومغني ( قوله ومرهون ) إنما لم يقل بدل مرهون ومرهون به معقود عليه كما فعل في البيع ونحوه ؛ لأن الشروط المعتبرة في أحدهما غير المعتبرة في الآخر فكان التفصيل أولى لمطابقته لما بعد من قوله وشرط الرهن كونه عينا ا هـ ع ش .

( قوله أو استيجاب ) إلى التنبيه في النهاية إلا قوله بالمرهون إلى المتن وكذا في المغني إلا قوله وبحث إلى المتن .

( قوله أو استيجاب إلخ ) هلا زاد أيضا واستقبال وقبول ثم يشمل ذلك كله المتن بإرادة بإيجاب وقبول ولو حكما ا هـ سم عبارة المغني والقول في المعاطاة والاستيجاب مع الإيجاب والاستقبال مع القبول هنا كالبيع وقد مر بيانه ا هـ .

( قوله لأنه عقد مالي مثله ) يفيد أنه لو قال رهنتك هذين فقبل أحدهما لم يصح العقد نظير ما مر في القرض وقد يفرق بأن هذا تبرع محض فلا يضر فيه عدم موافقة القبول للإيجاب كالهبة وقد يؤيد الفرق ما تقدم للشارح م ر فيما لو أقرضه ألفا فقبل خمسمائة حيث علل عدم الصحة فيه بمشابهته للبيع بأخذ العوض وما هنا لا عوض فيه فكان بالهبة أشبه ا هـ ع ش .

( قوله لأنه عقد مالي مثله ) أي فافتقر إليهما مثله نهاية ومغني ( قوله خلاف المعاطاة ) وصورة المعاطاة هنا كما ذكره المتولي أن يقول له أقرضني عشرة لأعطيك ثوبي هذا رهنا فيعطى العشرة ويقبضه الثوب ا هـ مغني ( قوله من هذا ) أي التعليل المذكور .

( قوله وبحث صحة إلخ ) أفتى بخلافه شيخنا الشهاب الرملي ا هـ سم عبارة النهاية وما بحثه بعضهم من صحة إلخ بعيد يرده ظاهر كلامهم وقد أفتى بخلافه الوالد رحمه الله تعالى ا هـ .

( قوله لا بد من خطاب الوكيل ) أي وإسناده إلى جملة المخاطب فلو قال رهنت رأسك مثلا لم يصح ؛ لأن القاعدة أن كل ما صح تعليقه كالعتق والطلاق جاز أسناده إلى الجزء وما لا يصح تعليقه كالبيع والرهن لا يصح إسناده إلى الجزء إلا الكفالة فإنها تصح إذا أسندت إلى جزء لا يعيش بدونه كرأسه وقلبه مثلا ولا يصح تعليقها ا هـ ع ش ( قوله والفرق ) بالجر عطفا على الصحة ( قوله فيه نظر إلخ ) خبر وبحث صحة إلخ ( قوله كان رهنا ) أي ولا يحتاج إلى قبول بعد قوله رهنت ا هـ ع ش ورشيدي قول المتن

التالي السابق


الخدمات العلمية