صفحة جزء
[ ص: 2 ] ( كتاب الطلاق ) هو لغة حل القيد وشرعا حل قيد النكاح باللفظ الآتي والأصل فيه الكتاب والسنة ، وإجماع الأمة بل سائر الملل ، وهو إما واجب كطلاق مول لم يرد الوطء وحكمين رأياه . أو مندوب كأن يعجز عن القيام بحقوقها ولو لعدم الميل إليها أو تكون غير عفيفة ما لم يخش الفجور بها ومن ثم أمر صلى الله عليه وسلم من قال له إن زوجتي لا ترد يد لامس أي لا تمنع من يريد الفجور بها على أحد أقوال في معناه بإمساكها خشية من ذلك ، ويلحق بخشية الفجور بها حصول مشقة له بفراقها تؤدي إلى مبيح تيمم [ ص: 3 ] وكون مقامها عنده أمنع لفجورها فيما يظهر فيهما أو سيئة الخلق أي بحيث لا يصبر على عشرتها عادة فيما يظهر ، وإلا فمتى توجد امرأة غير سيئة الخلق . وفي الحديث { المرأة الصالحة في النساء كالغراب الأعصم } كناية عن ندرة وجودها إذ الأعصم ، وهو أبيض الجناحين وقيل الرجلين أو إحداهما كذلك أو يأمره به أحد والديه أي من غير نحو تعنت كما هو شأن الحمقى من الآباء والأمهات ومع عدم خوف فتنة أو مشقة بطلاقها فيما يظهر أو حرام كالبدعي أو مكروه بأن سلم الحال عن ذلك كله للخبر الصحيح { ليس شيء من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق } ، وإثبات بغضه تعالى له المقصود منه زيادة التنفير عنه لا حقيقته لمنافاتها لحله ومن ثم قالوا ليس فيه مباح لكن صوره الإمام بما إذا لم يشتهها أي شهوة كاملة لئلا ينافي ما مر في عدم الميل إليها ولا تسمح نفسه بمؤنتها من غير تمتع بها ، وأركانه زوج وصيغة وقصد على ما يأتي فيه ومحل وولاية عليه ( يشترط لنفوذه ) أي لصحة تنجيزه أو تعليقه كونه من زوج أما وكيله أو الحاكم في المولي فلا يصح منهما تعليقه ، ويعلم هذا مما قدمه أول الخلع ومما سيذكره أنه لا يصح تعليقه قبل النكاح و ( التكليف ) فلا يصح تعليق ولا تنجيز من نحو صبي ومجنون ومغمى عليه ونائم لرفع القلم عنهم لكن لو علقه بصفة فوجدت وبه نحو جنون وقع ، والاختيار فلا يقع من مكره كما سيذكره ( إلا السكران ) ، وهو من زال عقله بمسكر تعديا ، وهو المراد به حيث أطلق وسيذكر أن مثله كل من زال عقله بما أثم به من نحو شراب أو دواء فإنه يقع طلاقه مع عدم تكليفه على الأصح أي مخاطبته حال السكر لعدم فهمه الذي هو شرط التكليف [ ص: 4 ] ونفوذ تصرفاته له وعليه الدال عليه إجماع الصحابة رضي الله عنهم على مؤاخذته بالقذف من باب خطاب الوضع ، وهو ربط الأحكام بالأسباب تغليظا عليه ؛ لتعديه ، وألحق ما له بما عليه طرد اللباب وبه يندفع ما لبعضهم هنا من إيراد النائم والمجنون على أن خطاب الوضع قد لا يعمهما ككون القتل سببا للقصاص ، والنهي في { لا تقربوا الصلاة ، وأنتم سكارى } لمن في أوائل النشأة لبقاء عقله فليس من محل الخلاف بخلاف من زال عقله سواء أصار زقا مطروحا أم لا ، ومن أطلق عليه التكليف أراد أنه بعد صحوه مكلف بقضاء ما فاته أو أنه يجري عليه أحكام المكلفين ، وإلا لزم صحة نحو صلاته وصومه ، ويعلم مما مر أوائل الصلاة أنه لو اتصل جنون لم يتولد عن السكر به وقع عليه المدة التي ينتهي إليها السكر غالبا .


حاشية ابن قاسم

[ ص: 2 ] ( كتاب الطلاق ) ( قوله : خشية من ذلك ) فيه شيء فإن قوله لا ترد يد لامس أفاد أن كونها تحته لم يمنع وقوع ذلك ( قوله : تؤدي إلى مبيح تيمم ) لا يبعد أن يكتفى بأن لا يحتمل عادة [ ص: 3 ] قوله : لا حقيقته ) ما المانع أن البغض معناه الكراهة وعدم الرضا ، وهذا صادق في المكروه كالحرام ولا ينافي ذلك وصفه بالحل ؛ لأنه يطلق ، ويراد به الجائز ( قوله : ومما سيذكره إلخ ) فيه نظر ظاهر ( قوله : ومغمى عليه ونائم إلخ ) ذكر المغمى عليه والنائم يقتضي حمل التكليف على ما يشمل التمييز ، وظاهر كلامهم عدم صحته [ ص: 4 ] من النائم ، وإن أثم بنومه ؛ لأن إثمه به لخارج لا لذاته .

حاشية الشرواني

[ ص: 2 ] بسم الله الرحمن الرحيم ( كتاب الطلاق ) ( قول المتن الطلاق ) اسم مصدر لطلق بتشديد اللام ومصدره التطليق ومصدر لطلق بتخفيف اللام . ا هـ بجيرمي ( قوله : هو لغة ) إلى المتن في النهاية إلا قوله ومن ثم إلى أو سيئة الخلق ( قوله : حل القيد ) الظاهر أن المراد بالقيد ما يشمل الحسي والمعنوي ليكون بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي عموم وخصوص كما هو الغالب . ا هـ رشيدي ( قوله : والأصل فيه ) أي في الطلاق ووقوعه ومشروعيته ( قوله : وحكمين ) لعل المراد أنه حيث داما على الوكالة وجب عليهما ذلك ، وإلا فالوكيل لا يجب عليه التصرف فيما وكل فيه . ا هـ ع ش ( قوله : كأن يعجز عن القيام إلخ ) ينبغي ولم يغلب على ظنه أنها تؤثر معاشرته مع ذلك على الفرقة وتسمح بما قد يقع من تقصير مسامحة باطنية . ا هـ سيد عمر .

( قوله : ما لم يخش الفجور بها ) أي فجور غيره بها فلا يكون مندوبا ؛ لأن في إبقائها صونا لها في الجملة بل يكون مباحا ، وينبغي أنه إن علم فجور غيره بها لو طلقها وانتفاء ذلك عنها ما دامت في عصمته حرمة طلاقها إن لم يتأذ ببقائها تأذيا لا يحتمل عادة . ا هـ ع ش ( قوله : بإمساكها إلخ ) متعلق بقوله أمر إلخ ( قوله : خشية من ذلك ) فيه شيء فإن قوله لا ترد يد لامس أفاد أن كونها تحته لم يمنع وقوع ذلك سم ، وهو مبني على أن معنى قوله ما لم يخش إلخ أنه يخشى وقوع الفجور بينها وبين الأجنبي ، والحمل على هذا بعيد إذ لا فائدة في ترك الطلاق على هذا التقدير بل الظاهر أنه يخشى حصول فجور بينه وبينها بعد الطلاق لما يعلمه من نفسه من مزيد الميل فليتأمل .

وبتسليم أن يكون المراد ما فهمه المحشي فقد يكون في إبقائها تقليل للفجور المتوقع في الجملة ولا ينافيه قوله : المذكور ؛ لأن المراد أن ذلك ثابت لها بالقوة لا بالفعل المتوقع تحققه على تقدير فراقه لها ا هـ سيد عمر أقول وما فهمه المحشي هو الظاهر المتبادر ولذا جزم به ع ش كما مر ، وأما قوله : بل الظاهر أنه إلخ مع بعده عن القيام يفيده قول الشارح الآتي ، ويلحق إلخ فيصير مكررا ( قوله : تؤدي إلى مبيح تيمم ) [ ص: 3 ] لا يبعد أن يكتفي بأن لا تحتمل عادة سم ا هـ ع ش عبارة السيد عمر بعد ذكر كلام سم المذكور أقول الأمر كما قال . ا هـ .

( قوله : وكون مقامها إلخ ) عطف على قوله حصول مشقة إلخ ( قوله : أو سيئة الخلق ) عطف على قوله غير عفيفة ( قوله : لا يصبر على عشرتها إلخ ) ببناء المفعول ولو قيل لا يصبر الزوج على عشرتها بأن يحصل له منها مشقة لا تحتمل عادة لم يكن بعيدا ؛ لأن المدار على تضرره وعدمه فليتأمل ، وعلى الأول لو علم من نفسه الصبر ينبغي عدم الندب صيانة لها عن ضرر الغير . ا هـ . سيد عمر ( قوله : وإلا ) أي ، وإن لم يقيد بالحيثية المذكورة ( قوله : كذلك ) أي نادر الوجود خبر إذ الأعصم ( قوله : أو يأمره به إلخ ) عطف على قوله يعجز إلخ ( قوله : أو مكروه إلخ ) قد يقتضي أنه فيما إذا خشي الفجور في الصورة السابقة وفيما إذا كان بقاؤها عنده أمنع لفجورها يكون مكروها لا غير ولو قيل بالحرمة في الصورتين إذا غلب على ظنه ذلك لم يبعد . ا هـ . سيد عمر وتقدم عن ع ش ما يوافقه ( قوله : وإثبات بغضه ) مبتدأ خبره قوله : المقصود منه إلخ ( قوله : لا حقيقته ) ما المانع أن البغض معناه الكراهة وعدم الرضا ، وهذا صادق بالمكروه كالحرام ولا ينافي ذلك وصفه بالحل ؛ لأنه يطلق ، ويراد به الجائز سم . ا هـ . ع ش ( قوله : صوره ) أي الطلاق المباح ( قوله : لئلا ينافي ما مر ) أي في قوله كأن يعجز عن القيام بحقوقها ولو لعدم الميل إليها أي فما مر فيما إذا انتفت الشهوة بالكلية ، وما هنا فيما إذا انتفى كمالها وبقي أصلها ( قوله : ومحل ) أي زوجة وقوله : عليه أي المحل . ا هـ . ع ش عبارة الرشيدي قوله : وولاية عليه كأنه أخرج به غير المكلف إذ ليس له ولاية الطلاق . ا هـ .

( قوله : أي لصحة تنجيزه ) إلى قوله ، ويعلم مما مر في النهاية ( قوله : فلا يصح منهما ) إلى قوله ، ويعلم مما مر في المغني ( قوله : منهما ) أي الوكيل والحاكم . ا هـ . ع ش عبارة السيد عمر قوله : فلا يصح منهما تعليقه شامل لما إذا كان الوكيل وكيلا في التعليق ، وما وجه المنع منه حينئذ فليحرر ثم رأيت في أصل الروضة أنه لا يصح التوكيل في تعليق الطلاق ، وإن أريد به مجرد التعليق ؛ لأنه ملحق بالأيمان ، وهي لا يدخلها الوكالة . ا هـ .

( قوله : ويعلم هذا ) أي كون الطلاق من زوج . ا هـ . ع ش ( قوله : مما قدمه أول الخلع ) ، وهو قوله : شرطه زوج ( قوله : ومما سيذكره إلخ ) قال الشهاب سم فيه نظر ظاهر . ا هـ . رشيدي عبارة السيد عمر قال الفاضل المحشي فيه نظر ظاهرا هـ ولعل وجه النظر أن وجه عدم الصحة فيما ذكر عدم الولاية ولا يلزم منه اشتراط خصوص أن لا يقع إلا من زوج ؛ لأنه إذا وقع من وكيل الزوج فقد وقع من ذي ولاية ، ويمكن أن يجاب بأن قوله هذا إشارة إلى اعتبار كونه من زوج في التنجيز والتعليق لا إلى قوله أما وكيله إلخ ثم رأيت في المغني ما نصه فإن قيل أهمل المصنف كونه من زوج أو وكيله فلا يقع طلاق غيره إلا فيما سيأتي في المولي يطلق عليه الحاكم أجيب بأنه أحاله على ما صرح به في الخلع وعلى ما سيذكره من أنه لا يصح تعليقه قبل ملك النكاح ، وهو يعين حمل عبارةالشارح على ما أجبت . ا هـ .

( قوله : ومغمى عليه ونائم ) ذكرهما يقتضي حمل التكليف على ما يشمل التمييز وظاهر كلامهم عدم صحته من النائم ، وإن أثم بنومه ؛ لأن إثمه به بالخارج لا لذاته . ا هـ سم ( قوله : لو علقه ) أي في حالة التكليف ( قول المتن إلا السكران ) استثناء من المفهوم ، وهو قوله : فلا يصح تعليق ولا تنجيز من نحو صبي إلخ ( قوله : تعديا ) شمل ذلك الكافر ، وإن لم يعتقد حرمة شرب الخمر ؛ لأنه مخاطب بفروع الشريعة ، وخرج به غير المتعدي كمن أكره على شرب مسكر أو لم يعلم أنه مسكر أو شرب دواء مجننا لحاجة فلا يقع طلاقه مغني و ع ش ( قوله : وهو المراد به إلخ ) فليس المراد به من شرب المسكر مطلقا ، وإن لم يزل عقله . ا هـ . رشيدي ( قوله : فإنه إلخ ) أي السكران ( قوله : [ ص: 4 ] ونفوذ إلخ ) مبتدأ ( قوله : الدال عليه ) أي النفوذ نعت له ( قوله : إجماع إلخ ) فاعل الدال ( قوله : على مؤاخذته ) متعلق بالإجماع ( قوله : من باب خطاب الوضع ) خبر المبتدأ ( قوله : ربط الأحكام ) أي كوقوع الطلاق وقوله : بالأسباب أي كالتلفظ بالطلاق . ا هـ . ع ش ( قوله : تغليظا إلخ ) مفعول له لقوله يقع طلاقه إلخ ( قوله : وألحق إلخ ) جواب سؤال غني عن البيان ( قوله : وبه ) أي التغليظ . ا هـ . كردي ( قوله : من إيراد النائم والمجنون ) وجه الاندفاع أنه ، وإن تعلق بهما خطاب الوضع فيما عليهما كالإتلافات لكن لم يلحق ما لهما بما عليهما على أن خطاب الوضع لم يتعلق بهما في جميع ما عليهما بل في نحو الإتلافات خاصة كما أشار إليه بالعلاوة في كلامه . ا هـ . رشيدي ( قوله : ككون القتل سببا للقصاص ) أي فالنائم والمجنون إذا قتلا لا قصاص عليهما مع أن وجوب القصاص بالقتل من خطاب الوضع أي فحيث دخل التخصيص في شأنهما بعد وجوب ذلك القصاص أمكن التخصيص بغيره لمعنى يقتضيه كما هنا . ا هـ . ع ش ( قوله : والنهي إلخ ) جواب عن السؤال بأنه كيف يقال إن السكران لا يتعلق به التكليف مع أنه خوطب بالنهي في الآية ، وحاصل الجواب أن المخاطب فيها ليس من محل الخلاف بل هو مكلف اتفاقا . ا هـ . رشيدي .

( قوله : النشوة ) هو بتثليث النون وبالواو بخلاف النشأة بالمهمز فإنه يقال نشأ نشأة إذا حيا وربا وشب كذا في القاموس . ا هـ . ع ش ( قوله : بخلاف من زال إلخ ) يعني أن الخلاف فيه . ا هـ . كردي ( قوله : ومن أطلق عليه ) أي السكران . ا هـ . ع ش عبارة الرشيدي يشير به إلى أنه لا خلاف في الحقيقة بين الأئمة في كونه غير مكلف لكن هذا لا يناسب تعبيره بالأصح فيما مر الصريح في ثبوت الخلاف . ا هـ . وعبارة البجيرمي أي فليس في المسألة خلاف معنوي فمن قال ليس مكلفا عنى أنه ليس مخاطبا خطاب تكليف حال عدم فهمه ومن قال إنه مكلف أراد أنه مكلف حكما أي يجري عليه أحكام المكلفين . ا هـ . ( قوله : وإلا لزم إلخ ) أي ، وإن أراد حقيقة التكليف فلا يصح ؛ لأنه لزم إلخ ( قوله : به ) أي بالسكر متعلق باتصل .

التالي السابق


الخدمات العلمية