وقال البخاري بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رجلا قرأ آية ، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية ، وقال : كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا تفرد به البخاري دون مسلم .

وقال البخاري بسنده عن ابن شهاب قال : قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : إن أبا هريرة قال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم تفرد به دون مسلم ، وفي سنن أبي داود صلوا في نعالكم خالفوا اليهود . .

وقال البخاري بسنده عن ابن عباس ( سمعت عمر رضي الله عنه يقول : قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها رواه مسلم من حديث ابن عيينة ، ومن حديث عمرو بن دينار به . ثم قال البخاري تابعه جابر ، وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال البخاري : بسنده عن أنس بن مالك قال : ذكروا النار والناقوس فذكروا اليهود والنصارى ، فأمر بلال أن يشفع الأذان ، وأن يوتر الإقامة وأخرجه بقية الجماعة من حديث أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي به .

والمقصود من هذا مخالفة أهل الكتاب في جميع شعارهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان المسلمون يتحينون وقت الصلاة بغير دعوة إليها ، ثم أمر من ينادي فيهم وقت الصلاة : الصلاة جامعة ، ثم أرادوا أن يدعوا إليها بشيء يعرفه الناس فقال قائلون : نضرب بالناقوس ، وقال آخر : نوري نارا فكرهوا ذلك لمشابهة أهل الكتاب فأري عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري في منامه الأذان ، فقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بلالا فنادى به كما هو مبسوط في موضعه من باب الأذان في كتاب " الأحكام " .

وقال البخاري بسنده أن عائشة ، وابن عباس قالا : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه فاذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك : لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا وهكذا رواه في غير موضع ، ومسلم من طرق عن الزهري به .

وقال البخاري بسنده عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر ، وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه ، قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : فمن ؟ ! وهكذا رواه مسلم من حديث زيد بن أسلم به .

والمقصود من هذه الأخبار عما يقع من الأقوال والأفعال المنهي عنها شرعا مما يشابه أهل الكتاب قبلنا فإن الله ورسوله ينهيان عن مشابهتهم في أقوالهم وأفعالهم حتى ولو كان قصد المؤمن خيرا ، لكنه تشبه بفعله في الظاهر من فعلهم . وكما نهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها; لئلا يشابه المشركين الذين يسجدون للشمس حينئذ ، وإن كان المؤمن لا يخطر بباله شيء من ذلك بالكلية . وهكذا قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم [ البقرة : 104 ] فكان الكفار يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم في كلامهم معه : راع نا أي : انظر إلينا ببصرك ، واسمع كلامنا ، ويقصدون بقولهم : راعنا من الرعونة فنهي المؤمنون أن يقولوا ذلك ، وإن كان لا يخطر ببال أحد منهم هذا أبدا .

فقد روى الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له ، وجعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ، ومن تشبه بقوم فهو منهم فليس للمسلم أن يتشبه بهم; لا في عباداتهم ولا مواسمهم ولا في أعيادهم; لأن الله تعالى شرف هذه الأمة بخاتم الأنبياء الذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل الذي لو كان موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة ، وعيسى ابن مريم الذي أنزل عليه الإنجيل حيين ، لم يكن لهما شرع متبع بل لو كانا موجودين بل وكل الأنبياء لما ساغ لواحد منهم أن يكون على غير هذه الشريعة المطهرة المشرفة المكرمة المعظمة ، فإذا كان الله تعالى قد من علينا ، بأن جعلنا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يليق بنا أن نتشبه بقوم ، قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل [ المائدة : 77 ] قد بدلوا دينهم وحرفوه وأولوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أولا ، ثم هو بعد ذلك كله منسوخ والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلا ولا كثيرا ولا فرق بينه وبين الذي لم يشرع بالكلية والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

التالي السابق


الخدمات العلمية