صفحة جزء
قال فرعون منكرا على السحرة موبخا لهم على ما فعلوه: آمنتم به أي برب موسى وهارون، أو بالله تعالى لدلالة ذلك عليه أو بموسى عليه السلام قيل لقوله تعالى في آية أخرى: آمنتم له فإن الضمير فيها له عليه السلام لقوله سبحانه: إنه لكبيركم إلخ، والمقصود من الجملة الخبرية التوبيخ لأن الخبر إذا لم يقصد به فائدته ولا لازمها تولد منه بحسب المقام ما يناسبه، وهنا لما خاطبهم الجبار بما فعلوا مخبرا لهم بذلك مع ظهور عدم قصد إفادة أحد الأمرين والمقام هو المقام أفاد التوبيخ والتقريع، ويجوز أن تقدر فيه الهمزة بناء على اطراد ذلك، والاستفهام للإنكار بمعنى أنه لا ينبغي ذلك، ويؤيد ذلك قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم، وروح عن يعقوب: (أآمنتم) بهمزتين محققتين، وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين مما قرئ به أيضا.

قبل أن آذن لكم أي: قبل أن آمركم أنا بذلك، وهو على حد قوله تعالى: لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي لا أن الإذن منه ممكن في ذلك، وأصل آذن أأذن بهمزتين الأولى للتكلم، والثانية من صلب الكلمة، قلبت ألفا لوقوعها ساكنة بعد همزة، إن هذا الصنيع لمكر مكرتموه لحيلة احتلتموها أنتم وموسى وليس مما اقتضى الحال صدوره عنكم لقوة الدليل وظهور المعجزة، وهذا تمويه منه على القبط يريهم أنهم ما غلبوا ولا انقطعت حجتهم، قيل: وكذا قوله: قبل أن آذن لكم في المدينة أي: في مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد.

أخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة قال: التقى موسى عليه السلام وأمير السحرة فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟ فقال الساحر: لآتين غدا بسحر لا يغلبه سحر فوالله لئن غلبتني لأؤمنن بك، ولأشهدن أنك حق، وفرعون ينظر إليهم وهو الذي نشأ عنه هذا القول، لتخرجوا منها أهلها أي القبط، وتخلص لكم ولبني إسرائيل. فسوف تعلمون عاقبة ما فعلتم، وهذا وعيد ساقه بطريق الإجمال للتهويل.

التالي السابق


الخدمات العلمية