صفحة جزء
ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين بيان لقبائح بعض آخر من المنافقين ، والآية نزلت في ثعلب بن حاطب ويقال له ابن أبي حاطب وهو من بني أمية بن زيد ، وليس هو البدري لأنه قد استشهد بأحد رضي الله تعالى عنه .

أخرج الطبراني ، والبيهقي في الدلائل ، وابن المنذر ، وغيرهم عن أبي أمامة الباهلي قال : جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : يا رسول الله ادع الله تعالى أن يرزقني مالا ، فقال عليه الصلاة والسلام : ويحك يا ثعلبة أما تحب أن تكون مثلي فلو شئت أن يسير الله تعالى ربى هذه الجبال معي ذهبا لسارت ، قال : يا رسول الله ادع الله تعالى أن يرزقني مالا فوالذي بعثك بالحق إن آتاني الله سبحانه مالا لأعطين كل ذي حق حقه ، فقال : ويحك يا ثعلبة قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيقه ، قال : يا رسول الله ادع الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم ارزقه مالا، فاتخذ غنما فبورك له فيها ونمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة، فتنحى بها فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا يشهدها بالليل ثم نمت كما ينمو الدود فضاق به مكانه فتنحى بها فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا يشهدها بالليل ثم نمت كما ينمو الدود فتنحى وكان لا يشهد الصلاة بالليل ولا بالنهار إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم نمت كما ينمو الدود فضاق به مكانه فتنحى بها فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فجعل يتلقى الركبان ويسألهم عن الأخبار، وفقده رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فسأل عنه فأخبروه أنه اشترى غنما وأنالمدينة ضاقت به ، فقال عليه الصلاة والسلام : ويح ثعلبة بن حاطب ويح ثعلبة بن حاطب، ثم إن الله تعالى أمر رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يأخذ الصدقات وأنزل خذ من أموالهم صدقة تطهرهم الآية فبعث رجلين رجلا من جهينة ورجلا من بني سلمة يأخذان الصدقات، وكتب لهما أسنان الإبل والغنم وكيف يأخذانها، وأمرهما أن يمرا على ثعلبة ورجل من بني سليم فخرجا فمرا بثعلبة فسألاه الصدقة فقال : أرياني كتابكما؟ فنظر فيه فقال : ما هذا إلا جزية انطلقا حتى تفرغا ثم مرا بي فانطلقا وسمع بهما السليمي فاستقبلهما بخيار إبله فقالا : إنما عليك دون هذا، فقال : ما كنت أتقرب إلى الله تعالى إلا بخير مالي، فقبلا فلما فرغا مرا بثعلبة فقال : أرياني كتابكما؟ فنظر فيه فقال : ما هذا إلا جزية، انطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى قدما المدينة، فلما رآهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال قبل أن يكلمهما : ويح ثعلبة بن حاطب ودعا للسليمي بالبركة وأنزل الله تعالى : ومنهم من عاهد الله الآيات الثلاث فسمع بعض من أقاربه فأتاه فقال : ويحك يا ثعلبة أنزل فيك كذا وكذا، فقدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : يا رسول الله هذه صدقة مالي . فقال عليه الصلاة والسلام : إن الله قد منعني أن أقبل منك، فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : هذا عملك بنفسك أمرتك فلم تطعني فلم يقبل منه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى مضى ، ثم أتى أبا بكر رضي الله تعالى عنه فقال : يا أبا بكر اقبل مني صدقتي، فقد عرفت منزلتي من الأنصار ، فقال أبو بكر : لم يقبلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأقبلها، فلم يقبلها أبو بكر ، ثم ولي عمر [ ص: 144 ] رضي الله تعالى عنه فأتاه فقال : يا أبا حفص يا أمير المؤمنين اقبل من صدقتي، فقال : لم يقبلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا أبو بكر أقبلها أنا؟ فأبى أن يقبلها ، ثم ولي عثمان رضي الله تعالى عنه فلم يقبلها منه وهلك في خلافته .

وفي بعض الروايات أن ثعلبة هذا كان قبل ذلك ملازما لمسجد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حتى لقب حمامة المسجد ثم رآه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يسرع الخروج منه عقيب الصلاة فقال عليه الصلاة والسلام له : ما لك تعمل عمل المنافقين؟ فقال : إني افتقرت ولي ولامرأتي ثوب واحد أجيء به للصلاة ثم أذهب فأنزعه لتلبسه وتصلي به فادع الله تعالى أن يوسع علي رزقي إلى آخر ما في الخبر ، والظاهر أن منع الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام عن القبول منه كان بوحي منه تعالى له بأنه منافق والصدقة لا تؤخذ منهم وإن لم يقتلوا لعدم الإظهار ، وحثوه للتراب ليس للتوبة من نفاقه بل للعار من عدم قبول زكاته مع المسلمين .

ومعنى هذا عملك هذا جزاء عملك وما قلته ، وقيل : المراد بعمله طلبه زيادة رزقه، وهذا إشارة إلى المنع أي هو عاقبة عملك ، وقيل : المراد بالعمل عدم إعطائه للمصدقين ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ثعلبة أتى مجلسا من مجالس الأنصار فأشهدهم لئن آتاني الله تعالى من فضله تصدقت منه وآتيت كل ذي حق حقه، فمات ابن عم له فورث منه مالا فلم يف بما عاهد الله تعالى عليه، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآيات ، وقال الحسن : إنها نزلت في ثعلبة ، ومعتب بن قشير خارجا على ملأ قعود فحلفا بالله تعالى لئن آتانا من فضله لنصدقن فلما آتاهما بخلا .

وقال السائب : إن حاطب بن أبي بلتعة كان له مال بالشام فأبطأ عليه فجهد لذلك جهدا شديدا فحلف بالله لئن أتانا الله من فضله يعني ذلك المال لأصدقن ولأصلن، فلما آتاه ذلك لم يف بما عاهد الله تعالى عليه، وحكي ذلك عن الكلبي ، والأول أشهر وهو الصحيح في سبب النزول ، والمراد بالتصدق قيل : إعطاء الزكاة الواجبة وما بعده إشارة إلى فعل سائر أعمال البر من صلة الأرحام ونحوها ، وقيل : المراد بالتصدق إعطاء الزكاة وغيرها من الصدقات وما بعده إشارة إلى الحج على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو إلى ما يعمه والنفقة في الغزو كما قيل ، وقرئ ( لنصدقن ولنكونن ) بالنون الخفيفة فيهما .

التالي السابق


الخدمات العلمية