صفحة جزء
وتفقد الطير أي: أراد معرفة الموجود منها من غيره، وأصل التفقد معرفة الفقد، والظاهر أنه - عليه السلام - تفقد كل الطير، وذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك والاهتمام بالرعايا، لا سيما الضعفاء منها، قيل: وكان يأتيه من كل صنف واحد فلم ير الهدهد، وقيل: كانت الطير تظله من الشمس، وكان الهدهد يستر مكانه الأيمن، فمسته الشمس فنظر إلى مكان الهدهد فلم يره.

وعن عبد الله بن سلام أن سليمان - عليه السلام - نزل بمفازة لا ماء فيها، وكان الهدهد يرى الماء في باطن الأرض، فيخبر سليمان بذلك، فيأمر الجن فتسلخ الأرض عنه في ساعة كما تسلخ الشاة، فاحتاجوا إلى الماء، فتفقد لذلك الطير فلم ير الهدهد.

فقال ما لي لا أرى الهدهد وهو طائر معروف منتن، يأكل الدم - فيما قيل - ويكنى بأبي الأخبار، وأبي الربيع، وأبي ثمامة ، وبغير ذلك مما ذكره الدميري، وتصغيره على القياس هديهد، وزعم بعضهم أنه يقال في تصغيره: هداهد بقلب الياء ألفا، وأنشدوا:


كهداهد كسر الرماة جناحه



ونظير ذلك دوابة وشوابة في دويبة وشويبة.

والظاهر أن قوله - عليه السلام - ذلك مبني على أنه ظن حضوره ومنع مانع له من رؤيته، أي: عدم رؤيتي إياه - مع حضوره - لأي سبب ألساتر أم لغيره، ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: أم كان من الغائبين كأنه يسأل عن صحة ما لاح له، فأم هي المنقطعة كما في قولهم: إنها لإبل أم شاء.

وقال ابن عطية : مقصد الكلام: الهدهد غاب، ولكنه أخذ اللازم من مغيبه وهو أن لا يراه، فاستفهم على جهة التوقيف عن اللازم، وهذا ضرب من الإيجاز، والاستفهام الذي في قوله: (ما لي) ناب مناب الهمزة التي تحتاجها (أم) انتهى.

وظاهره أن (أم) متصلة، والهمزة قائمة مقام همزة الاستفهام، فالمعنى عنده: أغاب عني الآن فلم أره حال التفقد أم كان ممن غاب قبل ولم أشعر بغيبته، والحق ما تقدم، وقيل: في الكلام قلب، والأصل ما للهدهد لا أراه؟ ولا يخفى أنه لا ضرورة إلى ادعاء ذلك.

نعم، قيل: هو أوفق بكون التفقد للعناية، وذكر أن اسم هذا الهدهد يعفور، وكون الهدهد يرى الماء تحت الأرض رواه ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما.

وأخرج ابن أبي حاتم ، وسعيد بن منصور ، عن يوسف بن ماهك أن ابن عباس حين قال ذلك اعترض عليه نافع بن الأزرق - كعادته - بأنه كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ، ويوضع فيه الحبة، وتستر بالتراب فيصطاد؟! فقال - رضي الله تعالى عنه - إن البصر ينفع ما لم يأت القدر، فإذا جاء القدر حال دون البصر، فقال ابن الأزرق: لا أجادلك بعدها بشيء، ولا مانع من أن يقال: يجوز أن يرى الحبة أيضا إلا أنه لا يعرف أن التقاطها من الفخ يوجب اصطياده، وكثير من الطيور وسائر الحيوانات يصطاد بما يراه بنوع حيلة.

ويجوز أيضا أن يراها ويعرف المكيدة في وضعها إلا أن القدر يغلب عليه فيظن أنه ينجو إذا التقطها بأحد وجوه يتخيلها، فيكون نظير من يخوض المهالك لظن النجاة - مع مشاهدة هلاك الكثير ممن خاضها قبله - وإذا أراد الله تعالى بقوم أمرا سلب من ذوي العقول عقولهم.

نعم، إن رؤيته الماء تحت الأرض - وإن جاز على ما تقتضيه أصول الأشاعرة - أمر يستبعده العقل جدا، ولا جزم لي بصحة الخبر السابق، وتصحيح الحاكم [ ص: 183 ] محكوم عليه عند المحدثين بما تعلم، ومثله ما تقدم عن ابن سلام، وكذا غيره من الأخبار التي وقفت عليها في هذا الشأن، وليس في الآية إشارة إلى ذلك، بل الظاهر - بناء على ما يقتضيه حال سليمان عليه السلام - أن التفقد كان منه - عليه السلام - عناية بأمور ملكه، واهتماما بضعفاء جنده، وكأنه - عليه السلام - أخرج كلامه - كما حكاه النظم الجليل - لغلبة ظنه أنه لم يصبه ما أهلكه، وليكون ذلك مع التفقد من باب الجمع بين صفتي الجمال والجلال، وهو الأكمل في شأن الملوك، ولعل ما وقع من حديث النملة كان كالحالة المذكرة له - عليه السلام - للتفقد.

وعلى ما تقدم عن ابن سلام أن الحالة المذكرة بل الداعية هي النزول في المفازة التي لا ماء فيها، وكون الهدهد قناقنه، ويحكون في ذلك أن سليمان - عليه السلام - حين تم له بناء بيت المقدس تجهز ليحج بحشره فوافى الحرم، وأقام به ما شاء، وكان يقرب كل يوم - طول مقامه - خمسة آلاف بقرة، وخمسة آلاف ناقة، وعشرين ألف شاة، وقال لأشراف من معه: إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي، صفته كذا وكذا، يعطى النصر على من عداه، وينصر بالرعب من مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده سواء في الحق، لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم، قالوا: فبأي دين يدين يا نبي الله؟ فقال: بدين الحنيفية، فطوبى لمن آمن به وأدركه، فقالوا: كم بيننا وبين خروجه؟ قال: مقدار ألف عام، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فإنه سيد الأنبياء، وخاتم الرسل - عليهم السلام - ثم عزم على السير إلى اليمن، فخرج من مكة صباحا يؤم سهيلا، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا أعجبته خضرتها، فنزل ليتغذى ويصلي، فلم يجدوا الماء فكان ما كان.

وفي بعض الآثار ما يعارض حكاية الحج، فقد روي عن كعب الأحبار أن سليمان - عليه السلام - سار من إصطخر يريد اليمن فمر على مدينة الرسول - عليه الصلاة والسلام - فقال: هذه دار هجرة نبي يكون آخر الزمان، طوبى لمن اتبعه، ولما وصل إلى مكة رأى حول البيت أصناما تعبد، فجاوزه، فبكى البيت، فأوحى الله تعالى إليه: ما يبكيك؟ قال: يا رب أبكاني أن هذا نبي من أنبيائك ومعه قوم من أوليائك مروا علي ولم يهبطوا ولم يصلوا عندي، والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله تعالى إليه: لا تبك فإني سوف أبكيك وجوها سجدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا، وأبعث منك نبيا في آخر الزمان، أحب أنبيائي إلي، وأجعل فيك عمارا من خلقي يعبدونني، وأفرض عليهم فريضة يرفون إليك رفيف النسر إلى وكره، ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها، والحمامة إلى بيضها، وأطهرك من الأوثان وعبدة الشيطان،

التالي السابق


الخدمات العلمية