صفحة جزء
ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله استشهاد آخر على باهر قدرته جل وعلا وغاية حكمته عز وجل، وشمول إنعامه تبارك وتعالى، والمراد بنعمة الله تعالى إحسانه سبحانه في تهيئة أسباب الجري من الريح، وتسخيرها، فالباء للتعدية كما في: مررت بزيد، أو سببية متعلقة بتجري.

وجوز أن يراد بنعمته تعالى ما أنعم جل شأنه به بما تحمله الفلك من الطعام والمتاع ونحوه، فالباء للملابسة والمصاحبة متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير الفلك، أي تجري مصحوبة بنعمته تعالى، وقرأ موسى بن الزبير «الفلك» بضم اللام ومثله معروف في فعل مضموم الفاء.

حكي عن عيسى بن عمر أنه قال: ما سمع فعل بضم الفاء، وسكون العين إلا وقد سمع فيه فعل بضم العين.

وفي الكشاف: كل فعل يجوز فيه فعل، كما يجوز في كل فعل فعل، وجعل ضم العين للإتباع، وإسكانها للتخفيف.

وقرأ الأعرج، والأعمش، وابن يعمر «بنعمات الله» بكسر النون وسكون العين جمعا بالألف والتاء، وهو جمع نعمة بكسر فسكون، ويجوز كما قال غير واحد في كل جمع مثله تسكين العين على الأصل، وكسرها إتباعا للفاء وفتحها تخفيفا.

وقرأ ابن أبي عبلة «بنعمات الله» بفتح النون وكسر العين جمعا لنعمة بفتح النون، وهي اسم للتنعم، وقيل: بمعنى النعمة بالكسر، ليريكم من آياته أي بعض دلائل ألوهيته تعالى ووحدته سبحانه وقدرته جل شأنه وعلمه عز وجل، وقوله تعالى: إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور تعليل لما قبله، أي أن فيما ذكر لآيات عظيمة في ذاتها كثيرة في عددها لكل مبالغ في الصبر على بلائه سبحانه ومبالغ في الشكر على نعمائه جل شأنه.

( وصبار شكور ) كناية عن المؤمن من باب: حي مستوي القامة عريض الأظفار، فإنه كناية عن الإنسان لأن هاتين الصفتين عمدتا الإيمان، لأنه وجميع ما يتوقف عليه، إما ترك للمألوف غالبا، وهو بالصبر، أو فعل لما يتقرب به، وهو شكر لعمومه، فعل القلب والجوارح واللسان، ولذا ورد: (الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر)، وذكر الوصفين بعد الفلك فيه أتم مناسبة، لأن الراكب فيه لا يخلو عن الصبر والشكر، وقيل: المراد بالصبار كثير الصبر على التعب في كسب الأدلة من الأنفس والآفاق وإلا فلا اختصاص للآيات بمن تعب مطلقا، وكلا الوصفين بنيا بناء مبالغة، وفعال على ما في البحر أبلغ من فعول لزيادة حروفه، قيل: وإنما اختير زيادة المبالغة في الصبر إيماء إلى أن قليله لشدة مرارته، وزيادة ثقله على نفس كثير.

التالي السابق


الخدمات العلمية