صفحة جزء
[ ص: 99 ]

سورة فاتحة الكتاب

مكية، وقيل: مكية ومدنية; لأنها نزلت بمكة مرة وبالمدينة أخرى، وتسمى: أم القرآن; لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى بما هو أهله، ومن التعبد بالأمر والنهي، ومن الوعد والوعيد، وسورة الكنز والوافية لذلك، وسورة الحمد والمثاني; لأنه تثنى في كل ركعة، وسورة الصلاة; لأنها تكون فاضلة أو مجزئة بقراءتها فيها، وسورة الشفاء، والشافية، وهي سبع آيات بالاتفاق، إلا أن منهم من عد: أنعمت عليهم [الفاتحة: 7] دون التسمية، ومنهم من مذهبه على العكس.

بسم الله الرحمن الرحيم

قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة، ولا من غيرها من السور; وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها، كما بدئ بذكرها في كل أمر ذي بال، وهو مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- ومن تابعه، ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة.

وقراء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وعليه الشافعي وأصحابه -رحمهم الله- ولذلك يجهرون بها.

وقالوا: قد أثبتها السلف في المصحف مع توصيتهم بتجريد القرآن، ولذلك لم يثبتوا (آمين) فلولا أنها من القرآن لما أثبتوها.

وعن ابن عباس : "من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله تعالى".

[ ص: 100 ] فإن قلت: بم تعلقت الباء؟ قلت: بمحذوف تقديره: بسم الله أقرأ أو أتلو; لأن الذي يتلو التسمية مقروء، كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل فقال: بسم الله والبركات، كان المعنى: بسم الله أحل وبسم الله أرتحل، وكذلك الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله، بـ "بسم الله" كان مضمرا ما جعل التسمية مبدأ له، ونظيره في حذف متعلق الجار قوله عز وجل: في تسع آيات إلى فرعون وقومه [النمل: 12]، أي: اذهب في تسع آيات، وكذلك قول العرب في الدعاء للمعرس: بالرفاء والبنين، وقول الأعرابي: باليمن والبركة، بمعنى: أعرست، أو نكحت، ومنه قوله [من الوافر]:

[ ص: 101 ]

فقلت: إلى الطعام فقال منهم فريق: نحسد الإنس الطعاما



فإن قلت: لم قدرت المحذوف متأخرا؟ قلت: لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به; لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم، فيقولون: باسم اللات، باسم العزى، [ ص: 102 ] فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله -عز وجل- بالابتداء; وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما فعل في قوله: إياك نعبد [الفاتحة: 5] حيث صرح بتقديم الاسم؛ إرادة للاختصاص، والدليل عليه قوله: بسم الله مجراها ومرساها [هود: 41].

فإن قلت: فقد قال: اقرأ باسم ربك [العلق: 1]، فقدم الفعل؟ قلت: هناك تقديم الفعل أوقع؛ لأنها أول سورة نزلت، فكان الأمر بالقراءة أهم.

فإن قلت: ما معنى تعلق اسم الله بالقراءة؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يتعلق بها تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم، على معنى أن المؤمن لما اعتقد أن فعله لا يجيء معتدا به في الشرع واقعا على السنة حتى يصدر بذكر اسم الله; لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر" إلا كان فعلا كلا فعل، جعل فعله مفعولا باسم الله، كما [ ص: 103 ] [ ص: 104 ] يفعل الكتب بالقلم.

والثاني: أن يتعلق بها تعلق الدهن بالإنبات في قوله: تنبت بالدهن [المؤمنون: 20] على معنى: [متبركا] بسم الله أقرأ، وكذلك قول الداعي للمعرس: بالرفاء والبنين، معناه: أعرست ملتبسا بالرفاء والبنين، وهذا الوجه أعرب وأحسن.

فإن قلت: [فكيف] قال الله -تبارك وتعالى- متبركا باسم الله أقرأ؟ قلت: هذا مقول على ألسنة العباد، كما يقول الرجل الشعر على لسان غيره، وكذلك: الحمد لله رب العالمين [الفاتحة: 2] إلى آخره، وكثير من القرآن على هذا المنهاج، ومعناه تعليم عباده كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه ويمجدونه ويعظمونه.

فإن قلت: من حق [ ص: 105 ] [ ص: 106 ] حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة التي هي أخت السكون، نحو: كاف التشبيه، ولام الابتداء، وواو العطف وفائه، وغير ذلك، فما بال لام الإضافة وبائها بنيتا على الكسر؟ قلت: أما اللام فللفصل بينها وبين لام الابتداء، وأما الباء فلكونها لازمة للحرفية والجر، والاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة؛ لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن إذ كان دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن; لسلامة لغتهم من كل لكنة وبشاعة، ولوضعها على غاية من الإحكام والرصانة، وإذا وقعت في الدرج لم تفتقر إلى زيادة شيء، ومنهم من لم يزدها واستغنى عنها بتحريك الساكن، فقال: سم وسم، قال [من الرجز]:


باسم الذي في كل سورة سمه



[ ص: 107 ] وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز: كيد ودم، وأصله: سمو، بدليل تصريفه: كأسماء، وسمي، وسميت، واشتقاقه من السمو; لأن التسمية تنويه بالمسمى وإشادة بذكره، ومنه قيل للقب النبز: من النبز بمعنى النبر، وهو رفع الصوت، والنبز: قشر النخلة الأعلى.

فإن قلت: فلم حذفت الألف في الخط وأثبتت في قوله: باسم ربك؟ قلت: قد اتبعوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه وضع الخط; لكثرة الاستعمال، وقالوا: طولت الباء تعويضا من طرح الألف، وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال لكاتبه: طول الباء، وأظهر السنات، ودور الميم، و"الله" أصله الإله، قال [من الطويل]:


معاذ الإله أن تكون كظبية



[ ص: 108 ] ونظيره: الناس، أصله: الأناس، قال [من مجزوء الكامل]:


إن المنايا يطلعـ     ـن على الأناس الآمنينا



فحذفت الهمزة، وعوض منها حرف التعريف، ولذلك قيل في النداء: يا ألله بالقطع، كما يقال: يا إله، [والإله] - من أسماء الأجناس كالرجل والفرس - اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط، والبيت على الكعبة، والكتاب على كتاب سيبويه .

وأما: "الله" بحذف الهمزة فمختص بالمعبود بالحق، لم يطلق على غيره، ومن هذا الاسم اشتق: تأله، وأله، واستأله; كما قيل: استنوق، واستحجر، في الاشتقاق من الناقة والحجر.

فإن قلت: أاسم هو أم صفة؟ قلت: بل اسم غير صفة، ألا تراك تصفه ولا تصف به؟ لا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل، وتقول: إله واحد صمد، كما تقول: رجل كريم خير.

وأيضا فإن صفاته تعالى لا بد لها من موصوف تجرى عليه، فلو جعلتها كلها صفات بقيت غير جارية على اسم موصوف بها، وهذا محال.

فإن قلت: هل لهذا الاسم اشتقاق؟ قلت: معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعدا معنى واحد، وصيغة هذا الاسم وصيغة قولهم: أله، إذا تحير - ومن أخواته: دله، وعله - ينتظمهما معنى التحير والدهشة، وذلك أن الأوهام تتحير في معرفة المعبود، وتدهش الفطن، ولذلك كثر الضلال، وفشا الباطل، وقل النظر الصحيح.

فإن قلت: هل تفخم لامه؟ قلت: نعم، قد ذكر الزجاج أن تفخيمها سنة، وعلى ذلك العرب كلهم، وإطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابرا عن كابر.

و"الرحمن" فعلان من رحم، كغضبان وسكران من غضب وسكر، وكذلك: "الرحيم" فعيل منه، كمريض وسقيم من مرض وسقم، وفي "الرحمن" من المبالغة ما ليس في: "الرحيم" ولذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا، ويقولون: إن [ ص: 109 ] الزيادة في البناء لزيادة المعنى.

وقال الزجاج في الغضبان: هو الممتلئ غضبا، ومما طن على أذني من ملح العرب أنهم يسمون مركبا من مراكبهم بالشقدف، وهو مركب خفيف ليس في ثقل معامل العراق، فقلت في طريق الطائف لرجل منهم ما اسم هذا المحمل؟ أردت المحمل العراقي، فقال: أليس ذاك اسمه الشقدف؟ قلت: بلى، فقال: هذا اسمه ؟الشقنداف، فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمى، وهو من الصفات الغالبة - كالدبران، والعيوق، والصعق - لم يستعمل في غير الله - عز وجل- كما أن: (الله) من الأسماء الغالبة، وأما قول بني حنيفة في مسيلمة: رحمان اليمامة، وقول شاعرهم فيه [من البسيط]:


وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا



فباب من تعنتهم في كفرهم.

فإن قلت: كيف تقول: الله رحمان، أتصرفه أم لا؟ [ ص: 110 ] قلت: أقيسه على أخواته من بابه، أعني: نحو عطشان وغرثان وسكران، فلا أصرفه.

فإن قلت: قد شرط في امتناع صرف فعلان أن يكون فعلان فعلى، واختصاصه بالله يحظر أن يكون فعلان فعلى، فلم تمنعه الصرف؟ قلت: كما حظر ذلك أن يكون له مؤنث على فعلى، كعطشى، فقد حظر أن يكون له مؤنث على فعلانة كندمانة، فإذا لا عبرة بامتناع التأنيث؛ للاختصاص العارض، فوجب الرجوع إلى الأصل قبل الاختصاص، وهو القياس على نظائره.

فإن قلت: ما معنى وصف الله تعالى بالرحمة، ومعناها: العطف والحنو، ومنها الرحم لانعطافها على ما فيها؟ قلت: هو مجاز عن إنعامه على عباده; لأن الملك إذا عطف على رعيته، ورق لهم، أصابهم بمعروفه وإنعامه، كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة، عنف بهم، ومنعهم خيره ومعروفه.

فإن قلت: فلم قدم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه، والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى، كقولهم: فلان عالم نحرير، وشجاع باسل، وجواد فياض؟ قلت: لما قال: الرحمن فتناول جلائل النعم، [ ص: 111 ] وعظائمها، وأصولها، أردفه: (الرحيم) كالتتمة والرديف; ليتناول ما دق منها ولطف.

التالي السابق


الخدمات العلمية