صفحة جزء
فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم

لما كسروا أهل مكة ، وقتلوا ، وأسروا ، أقبلوا على التفاخر ، فكان القائل يقول : قتلت وأسرت ، ولما طلعت قريش قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "هذه قريش قد جاءت بخيلائها [ ص: 566 ] وفخرها يكذبون رسلك ، اللهم إني أسألك ما وعدتني" ، فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فقال : - لما التقى الجمعان - لعلي - رضي الله عنه - : "أعطني قبضة من حصباء الوادي ، فرمى بها في وجوههم وقال : شاهت الوجوه" ، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه ، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ، فقيل لهم : فلم تقتلوهم ، والفاء : جواب شرط محذوف تقديره : إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ; لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم ، [ ص: 567 ] وشاء النصر والظفر ، وقوى قلوبكم ، وأذهب عنها الفزع والجزع وما رميت : أنت يا محمد إذ رميت ولكن الله رمى يعني : أن الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة ; لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمي البشر ، ولكنها كانت رمية الله ; حيث أثرت ذلك الأثر العظيم ، فأثبت الرمية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن صورتها وجدت منه ، ونفاها عنه ; لأن أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله - عز وجل - فكأن الله هو فاعل الرمية على الحقيقة ، وكأنها لم توجد من الرسول - عليه الصلاة والسلام - أصلا ، وقرئ : "ولكن الله قتلهم ، ولكن الله رمى" ، بتخفيف "لكن" ، ورفع ما بعده وليبلي المؤمنين : وليعطيهم بلاء حسنا : عطاء جميلا ; قال زهير [من الطويل] :


فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو



والمعنى : وللإحسان إلى المؤمنين فعل ما فعل ، وما فعله إلا لذلك إن الله سميع : لدعائهم "عليم" : بأحوالهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية