1. الرئيسية
  2. تفسير ابن عطية
  3. تفسير سورة الأحزاب
  4. قوله عز وجل يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك
صفحة جزء
قوله عز وجل:

يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما

قرأ الجمهور: "اللاتي" بالتاء من فوق، وقرأ الأعمش : "اللايي" بياء من تحت. وذهب ابن زيد ، والضحاك في تفسير قوله: إنا أحللنا لك أزواجك إلى أن المعنى أن الله تعالى أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها، وأباح له تعالى كل النساء بهذا الوجه، وأباح له ملك اليمين، وبنات العم والعمة والخال والخالة ممن هاجر معه، وخصص هؤلاء بالذكر تشريفا وتنبيها; منهن إذ قد تناولهن - على تأويل ابن زيد - قوله: يا أيها النبي إنا أحللنا ، وأباح له الواهبات خاصة له، فهذه - على تأويل ابن زيد - إباحة مطلقة في جميع النساء حاشى ذوات المحارم، لا سيما - على ما ذكره الضحاك [ ص: 131 ] أن في مصحف ابن مسعود "وبنات خالاتك واللاتي هاجرن معك". ثم قال - بعد هذا - ترجي من تشاء منهن أي: من هذه الأصناف كلها، ثم تجري الضمائر بعد ذلك على العموم إلى قوله: ولا أن تبدل بهن من أزواج فيجيء هذا الضمير مقطوعا من الأول عائدا على أزواجه التسع فقط، على الخلاف في ذلك.

وتأول غير ابن زيد قوله: يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي أن الإشارة إلى حفصة وعائشة رضي الله عنهما ومن في عصمته ممن تزوجن بمهر، وأن ملك اليمين بعد حلال له، وأن الله تعالى أباح له صلى الله عليه وسلم مع المذكورات بنات عمه وعماته وخاله وخالاته ممن هاجر معه، والواهبات خاصة له صلى الله عليه وسلم، فيجيء الأمر - على هذا التأويل - أضيق على النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤيد هذا التأويل ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوج في أي الناس شاء، وكان ذلك يشق على نسائه، فلما نزلت هذه الآية وحرم عليه الناس إلا من سمي سر نساؤه بذلك".

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

لأن ملك اليمين إنما تعلقه في النادر من الأمر، وبنات العم والعمات والخال والخالات يسير، ومن يمكن أن يتزوج منهن محصور عند نسائه، لا سيما وقد قيد ذلك شرط الهجرة، وكذا الواهبة من النساء قليل، فلذلك سر أزواجه بانحصار الأمر، ثم يجيء قوله: ترجي من تشاء منهن إشارة إلى من تقدم ذكره، ثم يجيء قوله: ولا أن تبدل بهن من أزواج إشارة إلى أزواجه اللواتي تقدم النص عليهن بالتحليل، فيأتي الكلام منسقا مطردا أكثر من اطراده على التأويل الأول. والأجور: المهور.

وقوله: مما أفاء الله عليك أي رده إليك في الغنائم، يريد: أو على أمتك لأنه فيء عليه. وملك اليمين أصله الفيء من الغنائم، أو ما تناسل ممن سبي، والشراء من [ ص: 132 ] الحربيين كالسباء، ويباح السباء من الحربيين، ولا يجوز سبي من له عهد ولا تملكه، ويسمى سبي الخبثة.

وقوله تعالى: وبنات عمك روي عن أم هانئ بنت أبي طالب أنها قالت: "خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعتذرت إليه فعذرني، ثم نزلت هذه الآية فحرمني عليه لأني لم أهاجر معه، وإنما كنت من الطلقاء".

وقرأ جمهور الناس: "إن وهبت" بكسر الألف، وهذا يقتضي استئناف الأمر، أي: إن وقع فهو حلال له، على أنه قد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "لم تكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين. فأما بالهبة فلم يكن عنده منهن أحد". وقرأ الحسن البصري ، وأبي بن كعب ، والثقفي، والشعبي : "أن وهبت" بفتح الألف، فهي إشارة إلى ما وقع من الواهبات قبل نزول الآية، وكسر الألف يجري مع تأويل ابن زيد الذي قدمناه، وفتحها يجري مع التأويل الآخر، ومن قرأ بالفتح قال: الإشارة إلى من وهب نفسه للنبي صلى الله عليه وسلم من النساء على الجملة، قال ابن عباس رضي الله عنهما - فيما حكى الطبري -: هي ميمونة بنت الحارث ، وقال علي بن الحسين : هي أم شريك .

وقال الشعبي وعروة : هي زينب بنت خزيمة أم المساكين ، وقال أيضا عروة بن الزبير : خولة بنت حكيم بن الأوقص السلمي ، وفي مصحف ابن مسعود : "وامرأة مؤمنة وهبت"، دون "إن".

[ ص: 133 ] وقوله: خالصة لك أي: هبة النساء أنفسهن خاصة ومزية "لا تجوز"، فلا يجوز أن تهب المرأة نفسها لرجل، وأجمع الناس على أن ذلك غير جائز; إلا ما روي عن أبي حنيفة ، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف أنهم قالوا: إذا وهبت وأشهد هو على نفسه بمهر فذلك جائز.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

فليس في قولهم إلا تجويز العبارة وبلفظة الهبة، وإلا فالأفعال التي اشترطوها هي أفعال النكاح بعينه، ويظهر من لفظ أبي بن كعب رضي الله عنه أن معنى قوله: خالصة لك يراد به جميع هذه الإباحة، لأن المؤمنين قصروا على مثنى وثلاث ورباع.

وقوله: "قد علمنا" الآية، يريد: فرضنا الولي والشاهد والمهر والاقتصار على أربع، قاله قتادة ومجاهد ، وقال أبي بن كعب : هو مثنى وثلاث ورباع. وقوله: "لئلا يكون" أي: بينا هذا البيان، وشرحنا هذا الشرح لئلا يكون عليك حرج ويظن بك أنك قد أثمت عند ربك في شيء، ثم آنس الجميع من المؤمنين بغفرانه ورحمته.

التالي السابق


الخدمات العلمية