صفحة جزء
[ ص: 512 ] بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة النبإ

وهي مكية بإجماع، وليس فيها نسخ ولا حكم إلا ما قاله بعض الناس في قوله تعالى: لابثين فيها أحقابا من أنه منسوخ، وهو قول خلف، لأن الأخبار لا تنسخ، وإنما ذكرنا هذا القول تنبيها على فساده.

قوله عز وجل:

عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا

أصل "عم" عن ما، ثم أدغمت النون بعد قلبها فبقي "عما" في الخبر وفي الاستفهام، ثم حذفوا الألف في الاستفهام فرقا بينه وبين الخبر، ثم من العرب من يخفف الميم تخفيفا فيقول: "عم"، وهذا الاستفهام بـ "عم" هو استفهام توقيف وتعجب منهم. وقرأ أبي بن كعب ، وابن مسعود وعكرمة ، وعيسى : "عما" بالألف، وقرأ الضحاك : "عمه" بهاء، وهذا إنما يكون عند الوقف.

و"النبإ العظيم" قال قوم: هو الشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وقال مجاهد وقتادة : هو القرآن خاصة، وقال قتادة أيضا: هو البعث من القبور. ويحتمل الضمير في "يتساءلون" أن يريد به جميع العالم، فيكون "الاختلاف" حينئذ يراد به تصديق المؤمنين وتكذيب الكافرين ونزغات الملحدين. ويحتمل أن يريد بالضمير الكفار من قريش، فيكون "الاختلاف" شك بعض وتكذيب بعض، وقولهم سحر وكهانة وجنون وغير ذلك، وقوله تعالى: عن النبإ العظيم متعلق بـ "يتساءلون" الظاهر، كأنه تعالى [ ص: 513 ] قال: لم يتساءلون عن هذا النبأ؟ وقال الزجاج : الكلام تام في قوله تعالى: عم يتساءلون ، ثم كان مقتضى القول أن يجيب مجيب فيقول: يتساءلون عن النبإ العظيم، فاقتضى إيجاز القرآن ببلاغته أن يبادر المحتج بالجواب الذي تقتضيه الحال والمجاورة، اقتضابا للحجة وإسراعا إلى موضع قطعهم، وهذا نحو قوله تعالى: قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد ، وله أمثلة كثيرة، وقد وقع التنبيه عليها في مواضعها.

وقرأ السبعة والحسن ، وأبو جعفر ، وشيبة ، والأعمش : "كلا سيعلمون" بالياء في الموضعين، على ذكر الغائب، فظاهر الكلام أنه رد على الكفار في تكذيبهم، ووعيد لهم في المستقبل، وكرر الزجر تأكيدا، وقال الضحاك : المعنى: كلا سيعلمون، يعني الكفار على جهة الوعيد، ثم كلا سيعلمون: يعني المؤمنين على جهة الوعد، وقرأ ابن عامر -فيما روى عنه- ومالك بن دينار ، والحسن بخلاف- "كلا ستعلمون" بالتاء في الموضعين، على مخاطبة الحاضر، كأنه تعالى يقول: قل لهم يا محمد، وكرر عليهم الزجر والوعد تأكيدا، وكل تأويل في هذه القراءة غير هذا متعسف. وقرأ قوم: "كلا سيعلمون" بالياء على جهة الرد والوعيد للكفار، ثم "كلا ستعلمون" بالتاء من فوق على جهة الرد على الكفار والوعد والمؤمنين، فالعلم في هذه الآية بمعنى "ستعرفون"، فلذلك لم يتعد.

ثم وقفهم تعالى على آياته وغرائب مخلوقاته وقدرته التي يوجب النظر فيها الإقرار بالبعث والإيمان بالله تعالى، و"المهاد" : الفراش الممهد الوطئ، وكذلك الأرض لبنيتها، وقرأ مجاهد ، وعيسى ، وبعض الكوفيين: "مهدا" ، والمعنى نحو الأول، وشبه الجبال"بالأوتاد" لأنها تمسك وتثقل وتمنع الأرض أن تميد، و"أزواجا" معناه أنواعا في ألوانكم وصوركم وألسنتكم، وقال قوم: معناه: مزدوجين ذكرا وأنثى.

و"السبات" السكون، وسبت الرجل معناه: استراح واتدع وترك الشغل، ومنه [ ص: 514 ] السبات وهي علة معروفة; سميت بذلك لأن السكون أوالسكوت أفرط على الإنسان حتى صار ضارا قاتلا، والنوم شبيه به إلا في الضرر، وقال أبو عبيدة : "سباتا": قطعا للأعمال والتصرف، والسبت: القطع، ومنه "سبت الرجل شعره" إذا قطع شعره، ومنه النعال السبتية وهي التي قطع عنها الشعر.

و"لباسا" مصدر، وكان الليل كذلك من حيث يغشي الأشخاص فهي تلبسه وتتدرعه، ويقال: جعله لباسا لأنه يطمس نور الأبصار ويلبس عليها الأشياء، والتصريف يضعف هذا القول لأنه كان يجب أن يكون "ملبسا"، ولا يقال "لباس" إلا من لبس الثياب وجعلنا النهار معاشا على حذف مضاف، أو على النسب، وهذا كما تقول "ليل نائم"، و"السبع الشداد" : السموات، والأفصح في لفظة السماء التأنيث، ووصفها بالشدة، لأنه لا يسرع إليها فساد لوثاقتها، و"السراج": الشمس، و"الوهاج": الحار المضطرم الاتقاد، المتعالي اللهب، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : إن الشمس في السماء الرابعة إلينا ظهرها، ولهبها مضطرم علوا.

واختلف الناس في "المعصرات"، فقال الحسن بن أبي الحسن، وأبي بن كعب ، وابن جبير ، وزيد بن أسلم ، ومقاتل ، وقتادة : هي السموات، وقال ابن عباس ، وأبو العالية ، والربيع ، والضحاك : المعصرات هى السحاب القاطرة، وهو مأخوذ من العصر; لأن السحاب ينعصر فيخرج منه الماء، وهذا قول الجمهور, وبه فسر الحسن بن محمد العنبري القاضي بيت حسان :


كلتاهما حلب العصير .....

البيت.

[ ص: 515 ] وقال بعض من سميت: هي السحاب التي فيها الماء ولما تمطر، كالمرأة المعصر، وهي التي دنا حيضها ولم تحض بعد، وقال ابن كيسان : قيل للسحاب معصرات من حيث تغيث، فهي من "العصرة" ومنه قوله تعالى: "وفيه يعصرون"، قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، ومجاهد المعصرات: الرياح لأنها تعصر السحاب، وقرأ ابن الزبير ، وابن عباس والفضل بن عباس، وقتادة ، وعكرمة : "وأنزلنا بالمعصرات"، فهذا يقوي أنه أراد الرياح. و"الثجاج" : السريع الاندفاع كما يندفع الدم عن عروق الذبيحة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد قيل له: ما أفضل الحج؟ فقال: "العج والثج" أراد: التضرع بالدعاء الجهير وذبح الهدي. و"الحب": جنس الحبوب الذي ينتفع به الحيوان، و"النبات" : العشب الذي يستعمل رطبا لإنسان أو بهيمة، فذكر الله تعالى موضع المنفعتين. و"ألفافا" جمع "لف" بضم اللام، و"لف" جمع "لفاء", والمعنى ملتفات الأغصان والأوراق، وذلك أبدا موجود مع النضرة والري، وقال قوم: "ألفافا" جمع "لف" بكسر اللام، واللف: الجنة الملتفة بالأغصان، وقال الكسائي : "ألفافا"، جمع "لفيف"، وقد قال الشاعر:


أحابيش ألفاف تباين فرعهم     وجذمهم عن نسبة المتقرب



التالي السابق


الخدمات العلمية