صفحة جزء
قوله عز وجل:

فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين

المعنى: فما صدق موسى، ولفظة "ءامن" تتعدى بالباء، وتتعدى باللام وفي ضمن المعنى الباء، واختلف المتأولون في عود الضمير الذي في "قومه"، فقالت [ ص: 513 ] فرقة: هو عائد على موسى عليه السلام، وقالت فرقة: هو عائد على فرعون، فمن قال إن العود على موسى عليه السلام قال: معنى الآية وصف حال موسى عليه السلام في أول مبعثه أنه لم يؤمن به إلا فتيان وشباب أكثرهم أولو آباء كانوا تحت خوف من فرعون ومن ملإ بني إسرائيل، فالضمير في "الملإ" عائد على الذرية، وتكون الفاء -على هذا التأويل- عاطفة جملة على جملة لا مرتبة. وقال بعض القائلين بعود الضمير على موسى عليه السلام: إن معنى الآية أن قوما أدركهم موسى عليه السلام ولم يؤمنوا به، وإنما آمن ذرياتهم بعد هلاكهم لطول الزمان، قاله مجاهد ، والأعمش ، وهذا قول غير واضح، وإذا آمن قوم بعد موت آبائهم فلا معنى لتخصيصهم باسم الذرية، وأيضا فما روي من أخبار بني إسرائيل لا يعطي هذا، وهيئة قوله: فما آمن تعطي تقليل المؤمنين به، لأنه نفى الإيمان ثم أوجبه للبعض، ولو كان الأكثر مؤمنا لأوجب الإيمان أولا ثم نفاه عن الأقل، وعلى هذا الوجه يترجح قول ابن عباس رضي الله عنهما في الذرية: "إنه القليل"، لا أنه أراد أن لفظة الذرية هي بمعنى القليل كما ظن مكي وغيره. وقالت فرقة: إنما سماهم ذرية لأن أمهاتهم كانت من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط، فكان يقال لهم:الذرية كما قيل لفرس اليمن: الأبناء، وهم الفرس المنتقلون مع وهرز بسعاية سيف بن ذي يزن، والأمر بكماله في السير. وقال السدي : كانوا سبعين أهل بيت من قوم فرعون.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

ومما يضعف عود الضمير على موسى عليه السلام أن المعروف من أخبار بني إسرائيل أنهم كانوا قوما قد تقدمت فيهم النبوات، وكانوا في مدة فرعون قد نالهم ذل مفرط وقد رجوا كشفه على يد مولود يخرج فيهم يكون نبيا، فلما جاءهم موسى عليه السلام أصفقوا عليه واتبعوه، ولم يحفظ قط أن طائفة من بني إسرائيل كفرت به، [ ص: 514 ] فكيف تعطي هذه الآية أن الأقل منهم كان الذي آمن؟ فالذي يترجح -بحسب هذا- أن الضمير عائد على فرعون، ويؤيد ذلك أيضا ما تقدم من محاورة موسى عليه السلام ورده عليهم وتوبيخهم على قولهم: "هذا سحر"، فذكر الله ذلك عنهم، ثم قال: فما آمن لموسى إلا ذرية من قوم فرعون الذين هذه أقوالهم، وروي في ذلك أنه آمنت زوجة فرعون وخازنه وامرأة خازنه وشباب من قومه، -قاله ابن عباس رضي الله عنهما- والسحرة أيضا فإنهم معدودون في قوم فرعون، وتكون القصة -على هذا التأويل- بعد ظهور الآية والتعجيز بالعصا، وتكون الفاء مرتبة للمعاني التي عطفت.

ولاعتقاد الفراء وغيره عود الضمير على موسى عليه السلام تخبطوا في عود الضمير في "ملئهم"، فقال بعضهم: ذكر فرعون وهو الملك يتضمن الجماعة والجنود، كما تقول: "جاء الخليفة، وسافر الملك" وأنت تريد جيوشه معه، وقال الفراء : المعنى: "على خوف من آل فرعون وملئهم"، وهو من باب: واسأل القرية .

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وهذا التنظير غير جيد لأن إسقاط المضاف في قوله: واسأل القرية هو سائغ بسبب ما يعقل من أن القرية لا تسأل، ففي الظاهر دليل على ما أضمر، وأما هاهنا فالخوف من فرعون متمكن لا يحتاج معه إلى إضمار، إما إنه ربما احتج أن الضمير المجموع في "وملئهم" يقتضي ذلك، والخوف إنما يكون من الأفعال والأحداث التي للجثة، ولكن لكثرة استعماله ولقصد الإيجاز أضيف إلى الأشخاص.

وقوله: أن يفتنهم بدل من "فرعون" وهو بدل الاشتمال، فـ "أن" في موضع خفض، ويصح أن تكون في موضع نصب على المفعول من أجله، وقرأ الحسن، [ ص: 515 ] والجراح "أن يفتنهم" بضم الياء، ثم أخبر عن فرعون بالعلو في الأرض والإسراف في الأفعال والقتل والدعاوى ليتبين عذر الخائفين.

وقوله تعالى: وقال موسى يا قوم إلى الكافرين . ابتداء حكاية قول موسى عليه السلام لجماعة بني إسرائيل المؤمنين منهم مؤنسا لهم ونادبا إلى التوكل على الله الذي بيده النصر، ومسألة التوكل متشعبة للناس فيها خوضات، والذي أقول: إن التوكل الذي أمرنا به هو مقترن بتسبب جميل على مقتضى الشرع، وهو الذي في قوله صلى الله عليه وسلم: "قيدها وتوكل" ، فقد جعله متوكلا مع التقييد، والنبي صلى الله عليه وسلم رأس المتوكلين، وقد تسبب عمره كله، وكذلك السلف كله، فإن شذ متوكل فترك التسبب جملة فهي رتبة رفيعة ما لم يسرف بها إلى حد قتل نفسه وإهلاكها، كمن يدخل غارا خفيا يتوكل فيه فهذا ونحوه مكروه عند جماعة من العلماء، وما روي من إقدام عامر بن قيس على الأسد ونحو ذلك كله ضعيف، وللصحيح منه قرائن تسهله، وللمسلمين أجمعين قال الله تعالى: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ، ولهم قال: وعلى الله فتوكلوا ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في مدح السبعين ألفا من أمته: ( وعلى ربهم يتوكلون ) ليس فيه أنهم يتركون التسبب جملة واحدة، ولا حفظ عن عكاشة أنه ترك التسبب، بل كان يغزو ويأخذ سهامه، وأعني بذلك ترك التسبب في الغذاء، وأما ترك التسبب في الطب فسهل وكثير من الناس جبل عليه دون نية وحسبة، فكيف بمن [ ص: 516 ] يحتسب؟ وقال لهم: إن كنتم آمنتم مع علمه بإيمانهم على جهة إقامة الحجة وتنبيه الأنفس وإثارة الأنفة، كما تقول: "إن كنت رجلا فقاتل" تخاطب بذلك رجلا تريد إقامة نفسه. وقوله: إن كنتم مسلمين يريد: أهل طاعة منضافة إلى الإيمان المشروط، فذكر الإسلام فيه زيادة معنى، ثم ذكر أنه أجاب بنو إسرائيل بنية التوكل على الله والنطق بذلك، ثم دعوا في ألا يجعلهم فتنة للظلمة، والمعنى: لا تنزل بنا بلاء بأيديهم أو بغير ذلك مدة مجاورتنا لهم فيفتنون ويعتقدون أن إهلاكنا إنما هو بقصد منك لسوء ديننا وصلاح دينهم وأنهم أهل الحق، قاله مجاهد وغيره.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

فهذا الدعاء -على هذا التأويل- يتضمن دفع فصلين، أحدهما: القتل والبلاء الذي توقعه المؤمنون، والآخر: ظهور الشرك باعتقاد أهله أنهم أهل الحق، وفي ذلك فساد الأرض، ونحو هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بئس الميت أبو أمامة ليهود والمشركين، يقولون: لو كان نبيا لم يمت صاحبه" ، ويحتمل اللفظ من التأويل، وقد قالته فرقة: إن المعنى: لا تفتنهم وتبتلهم بقتلنا فتعذبهم على ذلك في الآخرة، وفي هذا التأويل قلق بين.

التالي السابق


الخدمات العلمية