صفحة جزء
قوله عز وجل:

من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا

المعنى: من كان يريد الدنيا العاجلة، ولا يعتقد غير هذا، ولا يؤمن بآخرة، فهو يفرغ أمله ومعتقده للدنيا، فإن الله تعالى يعجل لمن يريد من هؤلاء ما يشاء هذا المريد، أو ما يشاء الله تعالى -على قراءة من قرأ: "نشاء" بالنون وقوله سبحانه: لمن نريد شرط كاف على القراءتين، ثم يجعل الله تعالى جهنم لجميع من يريد العاجلة -على جهة الكفر- من أعطاه فيها ما يشاء ومن حرمه. قال أبو إسحاق الفزاري: لمن نريد هلكته. وقرأ الجمهور: "نشاء" بالنون، وقرأ نافع أيضا: "يشاء" بالياء. و "المدحور": المهان المبعد المذلل المسخوط عليه.

[ ص: 458 ] وقوله تعالى: ومن أراد الآخرة الآية. المعنى: ومن أراد الآخرة إرادة يقين بها وبالله وبرسالته.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وذلك كله مرتبط بتلازم.

ثم شرط في مريد الآخرة أن يسعى لها سعيها، وهو ملازمة أعمال الخير وأقواله على حكم الشرع وطرقه، فأولئك يشكر الله سعيهم، ولا يشكر الله عملا ولا سعيا إلا أثاب عليه وغفر بسببه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرجل الذي سقى الكلب العاطش، فشكر الله له، فغفر له.

وقوله تعالى: كلا نمد الآية. نصب "كلا" بـ "نمد". وأمددت الشيء إذا زدت فيه من غير نوعه، ومددت إذا زدت فيه من نوعه، وقيل: هما بمعنى واحد، يقال: مد وأمد. و"هؤلاء" بدل من "كلا"، فهو في موضع نصب. وقوله تعالى: من عطاء ربك يحتمل أن يريد: من الطاعات لمن يريد الآخرة، والمعاصي لمن يريد العاجلة، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما، ويحتمل أن يريد بالعطاء رزق الدنيا، وهذا هو تأويل الحسن بن أبي الحسن وقتادة ، أي إن الله تبارك وتعالى يرزق في الدنيا مريدي الآخرة المؤمنين، ومريدي العاجلة من الكافرين، ويمدهم بعطائه منها، وإنما يقع التفاضل والتباين في الآخرة، ويتناسب هذا المعنى مع قوله سبحانه: وما كان عطاء ربك محظورا ، أي إن رزقه في الدنيا لا يضيق عن مؤمن ولا كافر وقلما تصلح هذه العبارة لمن يمد بالمعاصي التي توبقه.

و "المحظور": الممنوع.

وقوله تعالى: انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض آية تدل دلالة على أن العطاء في [ ص: 459 ] الآية التي قبلها هو الرزق، وفي ذلك يترتب أن ينظر محمد صلى الله عليه وسلم إلى تفضيل الله تبارك وتعالى لبعض على بعض في الرزق ونحوه من الصور والشرف والجاه والحظوظ، وبين أن يكون التفضيل الذي ينظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن أعطى الله قوما الطاعة المؤدية إلى الجنة، وأعطى آخرين الكفر المؤدي إلى النار، وهذا قول الطبري ، وهذا إنما هو النظر في تفضيل فريق على فريق، وعلى التأويل الآخر فالنظر في تفضيل شخص على شخص من المؤمنين ومن الكافرين كيفما قرنتهما. ثم أخبر عز وجل أن التفصيل الأكبر إنما يكون في الآخرة، وقوله: أكبر درجات ليس في اللفظ: "من أي شيء" لكنه في المعنى -ولا بد- أكبر درجات من كل ما يضاف بالوجود أو بالفرض إليها، وكذلك قوله تعالى: وأكبر تفضيلا .

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

ورأى بعض العلماء أن هذه الدرجات والتفضيل إنما هو فيما بين المؤمنين، وأسند الطبري في ذلك حديثا نصه: "إن بين أعلى الجنة وأسفلها درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها".

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

قيل: وقد رضى الله الجميع فما يغبط أحد أحدا ولا يتمنى ذلك بدلا

قوله تعالى: لا تجعل مع الله إلها آخر الآية. الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمراد: جميع الخلق، قاله الطبري وغيره، و"الذم" هنا لاحق من الله تعالى ومن ذوي العقول في أن يكون الإنسان يجعل عودا أو حجرا أفضل من نفسه، ويخصه بالكرامة، وينسب إليه الألوهية، ويشركه مع الله الذي خلقه ورزقه وأنعم عليه. و "الخذلان" في هذا يكون بإسلام الله تعالى، وألا يكفل له بنصر، و "المخذول": الذي لا ينصره من يجب أن ينصره، و"الخاذل" من الظباء التي تترك ولدها، ومن هذه اللفظة قول الراعي:


قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ... وسعى فلم أر مثله مخذولا



التالي السابق


الخدمات العلمية