صفحة جزء
قوله عز وجل:

فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى

الضمير في قوله: "فقالوا" لبني إسرائيل، أي: ضلوا حين قال كبارهم لصغارهم، و "هذا" إشارة إلى العجل، وقوله تعالى: "فنسي" يحتمل أن يكون من كلام بني إسرائيل، أي: فنسي موسى عليه السلام ربه وإلهه وذهب يطلبه في غير موضعه، ويحتمل أن يكون "فنسي" إخبارا من الله تعالى عن السامري أنه نسي دينه وطريق الحق.

قال القاضي أبو محمد رحمه الله :

فالنسيان في التأويل الأول بمعنى الذهول، وفي الثاني بمعنى الترك.

ثم قرن الله تعالى موضع خطابهم بقوله: أفلا يرون ، المعنى: أفلم يتبين هؤلاء الذين ضلوا أن هذا العجل إنما هو جماد لا يتكلم ولا يرجع قولا، ولا يضر ولا ينفع؟ وهذه خلال لا يخفى معها الحدوث والعجز; لأن هذه الخلال لو حصلت له أوجبت كونه إلاها. وقرأت فرقة: "ألا يرجع" برفع العين، "وأن" -على هذه القراءة - مخففة من الثقيلة، والتقدير: أنه لا يرجع، وقرأت فرقة: "ألا يرجع"، "وأن" - على هذه القراءة - هي الناصبة.

وأخبر عز وجل أن هارون عليه السلام قد كان قال لهم في أول حال العجل: إنما هو فتنة وبلاء وتمويه من السامري ، وإن ربكم الرحمن الذي له القدرة والعلم والخلق [ ص: 125 ] والاختراع، فاتبعوني إلى الطور الذي واعدكم الله تعالى إليه، وأطيعوا أمري فيما ذكرته لكم. وقرأت فرقة: "إنما" "وإن ربكم الرحمن" بكسر الهمزتين. وقرأت فرقة: "أنما" "وأن" بفتح الهمزة. وقرأت فرقة: "إنما" بالكسر و"أن" بالفتح، والقراءة الوسطى ضعيفة.

فقال بنو إسرائيل حين وعظهم هارون عليه السلام وندبهم إلى الحق: لن نبرح عابدين لهذا الإله، عاكفين عليه، أي: لازمين له، و "العكوف": الانحناء على الشيء من شدة ملازمته، ومنه قول الراجز:


عكف النبيط يلعبون الفنزجا

التالي السابق


الخدمات العلمية