صفحة جزء
[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

لقاضي القضاة الإمام أبي السعود

سبحان من أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ وبين له من شعائر الشرائع كل ما جل ودق؛ أنزل عليه أظهر بينات؛ وأبهر حجج؛ قرآنا عربيا غير ذي عوج، مصدقا لما بين يديه من الكتاب؛ ليدبروا آياته، وليتذكر أولوا الألباب؛ ناطقا بكل أمر رشيد؛ هاديا إلى صراط العزيز الحميد؛ آمرا بعبادة الصمد المعبود؛ كتابا متشابها مثاني تقشعر منه الجلود؛ تكاد الرواسي لهيبته تمور، ويذوب منه الحديد، ويميع صم الصخور؛ حقيقا بأن يسير به الجبال، وييسر به كل صعب محال؛ معجزا أفحم كل مصقع من مهرة قحطان، وبكت كل مفلق من سحرة البيان؛ بحيث لو اجتمعت الإنس والجن على معارضته ومباراته لعجزوا عن الإتيان بمثل آية من آياته؛ نزل عليه على فترة من الرسل ليرشد الأمة إلى أقوم السبل؛ فهداهم إلى الحق وهم في ضلال مبين؛ فاضمحل دجى الباطل؛ وسطع نور اليقين فمن اتبع هداه فقد فاز بمناه؛ وأما من عانده وعصاه واتخذ إلهه هواه فقد هام في موامي الردى، وتردى في مهاوي الزور؛ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور؛ صلى الله عليه وعلى آله الأخيار، وصحبه الأبرار ما تناوبت الأنواء، وتعاقبت الظلم والأضواء؛ وعلى من تبعهم بإحسان مدى الدهور والأزمان.

وبعد؛ فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه الهادي (أبو السعود محمد بن محمد العمادي: إن الغاية القصوى من تحرير نسخة العالم - وما كان حرف منها مسطورا -؛ والحكمة الكبرى في تخمير طينة آدم - ولم يكن شيئا مذكورا - ليست إلا معرفة الصانع المجيد، وعبادة البارئ المبدئ المعيد؛ ولا سبيل إلى ذاك المطلب الجليل سوى الوقوف على مواقف التنزيل؛ فإنه عز سلطانه؛ وبهر برهانه؛ وإن سطر آيات قدرته في صحائف الأكوان؛ ونصب رايات وحدته في صفائح الأعراض والأعيان؛ وجعل كل ذرة من ذرات العالم، وكل قطرة من قطرات العلم، وكل نقطة جرى عليها قلم الإبداع؛ وكل حرف رقم في لوح الاختراع؛ مرآة لمشاهدة جماله، ومطالعة صفات كماله؛ حجة نيرة، واضحة المكنون؛ وآية بينة لقوم يعقلون؛ برهانا جليا لا ريب فيه؛ ومنهاجا سويا؛ لا يضل من ينتحيه؛ بل ناطقا يتلو آيات ربه؛ فهل من سامع واع، ومجيب صادق؟ فهل له من داع يكلم الناس على قدر عقولهم، ويرد جوابهم بحسب مقولهم؛ يحاور تارة بأوضح عبارة، ويلوح أخرى [ ص: 4 ] بألطف إشارة؟ لكن الاستدلال بتلك الآيات والدلائل؛ والاستشهاد بتيك الأمارات والمخايل؛ والتنبيه لتلك الإشارات السرية؛ والتفطن لمعاني تلك العبارات العبقرية، وما في تضاعيفها من رموز أسرار القضاء والقدر، وكنوز آثار التعاجيب والعبر؛ مما لا يطيق به عقول البشر؛ إلا بتوفيق خلاق القوى والقدر؛ فإذن مدار المراد ليس إلا كلام رب العباد؛ إذ هو المظهر لتفاصيل الشعائر الدينية؛ والمفسر لمشكلات الآيات التكوينية؛ والكاشف عن خفايا حظائر القدس؛ والمطلع على خبايا سرائر الأنس؛ وبه تكتسب الملكات الفاخرة؛ وبه يتوصل إلى سعادة الدنيا والآخرة؛ كما وأنه أيضا من علو الشأن، وسمو المكان، ونهاية الغموض والإعضال، وصعوبة المأخذ، وعزة المنال؛ في غاية الغايات القاصية، ونهاية النهايات النائية؛ أعز من بيض الأنوق؛ وأبعد من مناط العيوق؛ لا يتسنى العروج إلى معارجه الرفيعة؛ ولا يتأتى الرقي إلى مدارجه المنيعة؛ كيف لا.. وأنه مع كونه متضمنا لدقائق العلوم النظرية والعملية؛ ومنطويا على دقائق الفنون الخفية والجلية؛ حاويا لتفاصيل الأحكام الشرعية؛ ومحيطا بمناط الدلائل الأصلية والفرعية؛ منبئا عن أسرار الحقائق والنعوت؛ مخبرا بأطوار الملك والملكوت؛ عليه يدور فلك الأوامر والنواهي؛ وإليه يستند معرفة الأشياء كما هي؛ قد نسج على أغرب منوال، وأبدع طراز؛ واحتجبت طلعته بسبحات الإعجاز؛ طويت حقائقه الأبية عن العقول؛ وزويت دقائقه الخفية عن أذهان الفحول؛ يرد عيون العقول سبحانه؛ ويخطف أبصار البصائر بريقه ولمعانه.

ولقد تصدى لتفسير غوامض مشكلاته أساطين أئمة التفسير في كل عصر من الأعصار؛ وتولى لتيسير عويصات معضلاته سلاطين أسرة التقرير والتحرير في كل قطر من الأقطار؛ فغاصوا في لججه، وخاضوا في ثبجه؛ فنظموا فرائده في سلك التحرير؛ وأبرزوا فوائده في معرض التقرير؛ وصنفوا كتبا جليلة الأقدار؛ وألفوا زبرا جميلة الآثار.

أما المتقدمون المحققون فاقتصروا على تمهيد المعاني، وتشييد المباني، وتبيين المرام، وترتيب الأحكام؛ حسبما بلغهم من سيد الأنام - عليه شرائف التحية والسلام.

وأما المتأخرون المدققون فراموا - مع ذلك - إظهار مزاياه الرائقة، وإبداء خباياه الفائقة؛ ليعاين الناس دلائل إعجازه؛ ويشاهدوا شواهد فضله وامتيازه عن سائر الكتب الكريمة الربانية والزبر العظيمة السبحانية؛ فدونوا أسفارا بارعة جامعة لفنون المحاسن الرائعة؛ يتضمن كل منها فوائد شريفة؛ تقر بها عيون الأعيان؛ وعوائد لطيفة يتشنف بها آذان الأذهان؛ لا سيما "الكشاف"؛ و"أنوار التنزيل"؛ المتفردان بالشأن الجليل، والنعت الجميل؛ فإن كلا منهما قد أحرز قصب السبق أي إحراز؛ كأنه مرآة لاجتلاء وجه الإعجاز؛ صحائفهما مرايا المزايا الحسان؛ وسطورهما عقود الجمان؛ وقلائد العقبان؛ ولقد كان في سوابق الأيام؛ وسوالف الدهور والأعوام - أوان اشتغالي بمطالعتهما، وممارستهما؛ وزمان انتصابي لمفاوضتهما ومدارستهما - يدور في خلدي على استمرار - آناء الليل وأطراف النهار - أن أنظم درر فوائدهما في سمط دقيق؛ وأرتب غرر فرائدهما على ترتيب أنيق؛ وأضيف إليها ما ألفيته في تضاعيف الكتب الفاخرة من جواهر الحقائق؛ وصادفته في أصداف العيالم الزاخرة من زواهر الدقائق؛ وأسلك خلالها بطريق الترصيع على نسق أنيق؛ وأسلوب بديع؛ حسبما يقتضيه جلالة شأن التنزيل؛ ويستدعيه جزالة نظمه الجليل؛ ما سنح الفكر العليل بالعناية الربانية؛ وسمح به [ ص: 5 ] النظر الكليل بالهداية السبحانية من عوارف معارف يمتد إليها أعناق الهمم من كل ماهر لبيب؛ وغرائب رغائب ترنو إليها أحداق الأمم من كل نحرير أريب؛ وتحقيقات رصينة تقيل عثرات الأفهام في مداحض الإقدام؛ وتدقيقات متينة تزيل خطرات الأوهام من خواطر الأنام في معارك أفكار يشتبه فيها الشؤون؛ ومدارك أنظار يختلط فيها الظنون؛ وأبرز من وراء أستار الكمون من دقائق السر المخزون في خزائن الكتاب المكنون ما تطمئن إليه النفوس؛ وتقر به العيون من خفايا الرموز، وخبايا الكنوز؛ وأهديها إلى الخزانة العامرة الغامرة للبحار الزاخرة لجناب من خصه الله (تعالى) بخلافة الأرض؛ واصطفاه لسلطنتها في الطول والعرض؛ ألا وهو السلطان الأسعد الأعظم، والخاقان الأمجد الأفخم، مالك الإمامة العظمى، والسلطان الباهر، وارث الخلافة الكبرى كابرا عن كابر، رافع رايات الدين الأزهر، موضح آيات الشرع الأنور، مرغم أنوف الفراعنة والجبابرة، معفر جباه القياصرة والأكاسرة، فاتح بلاد المشارق والمغارب بنصر الله العزيز وجنده الغالب الهمام، الذي شرق عزمه المنير فانتهى إلى المشرق الأسنى، وغرب حتى بلغ مغرب الشمس أو دنا بخميس عرمرم متزاحم الأفواج، وعسكر كخضم متلاطم الأمواج؛ فأصبح ما بين أفقي الطلوع والغروب، وما بين نقطتي الشمال والجنوب منتظما في سلك ولاياته الواسعة؛ ومندرجا تحت ظلال راياته الرائعة؛ فأصبحت منابر الربع المسكون مشرفة بذكر اسمه الميمون - فيا له من ملك استوعب ملكه البر البسيط؛ واستغرق فلكه وجه البحر المحيط؛ فكأنه فضاء ضربت فيه خيامه؛ أو نصبت عليه ألويته وأعلامه -؛ مالك ممالك العالم؛ ظل الله الظليل على كافة الأمم؛ قاصم القياصرة؛ وقاهر القروم؛ سلطان العرب والعجم والروم؛ وسلطان المشرقين؛ وخاقان الخافقين؛ الإمام المقتدر بالقدرة الربانية؛ والخليفة المعتز بالعزة السبحانية؛ المفتخر بخدمة الحرمين الجليلين المعظمين، وحماية المقامين الجميلين المفخمين؛ ناشر القوانين السلطانية؛ عاشر الخواقين العثمانية؛ السلطان ابن السلطان؛ السلطان سليمان خان؛ ابن السلطان المظفر المنصور، والخاقان الموقر المشهور، صاحب المغازي المشهورة في أقطار الأمصار، والفتوحات المذكورة في صحائف الأسفار السلطان سليم خان؛ ابن السلطان السعيد، والخاقان المجيد السلطان بايزيد خان؛ لا زالت سلسلة سلطنته متسلسلة إلى انتهاء سلسلة الزمان؛ وأرواح أسلافه العظام متنزهة في روضة الرضوان.

وكنت أتردد في ذلك بين إقدام وإحجام؛ لقصور شأني؛ وعزة المرام؛ أين الحضيض من الذرى؟! شتان بين الثريا والثرى؛ وهيهات اصطياد العنقاء بالشباك؛ واقتياد الجوزاء من بروج الأفلاك؛ فمضت عليه الدهور والسنون؛ وتغيرت الأطوار؛ وتبدلت الشؤون؛ فابتليت بتدبير مصالح العباد برهة في قضاء البلاد؛ وأخرى في قضاء العساكر والأجناد؛ فحال بيني وبين ما كنت أخال؛ تراكم المهمات؛ وتزاحم الأشغال؛ وجموم العوارض والعلائق؛ وهجوم الصوارف والعوائق؛ والتردد إلى المغازي والأسفار؛ والتنقل من دار إلى دار؛ وكنت في تضاعيف هاتيك الأمور أقدر في نفسي أن أنتهز نهزة من الدهور؛ ويتسنى لي القرار؛ وتطمئن بي الدار؛ وأظفر حينئذ بوقت خال أتبتل فيه إلى جناب ذي العظمة والجلال؛ وأوجه إليه وجهتي؛ وأسلم له سري وعلانيتي؛ وأنظر إلى كل شيء بعين الشهود؛ وأتعرف سر الحق في كل موجود؛ تلافيا لما قد فات؛ واستعدادا لما هو آت؛ وأتصدى لتحصيل ما عزمت عليه؛ وأتولى لتكميل ما توجهت إليه برفاهة، واطمئنان، وحضور [ ص: 6 ] قلب، وفراغ جنان؛ فبينما أنا في هذا الخيال إذ بدا لي ما لم يخطر بالبال؛ تحولت الأحوال؛ والدهر حول؛ فوقعت في أمر أشق من الأول؛ أمرت بحل مشكلات الأنام فيما شجر بينهم من النزاع والخصام؛ فلقيت معضلة طويلة الذيول؛ وصرت كالهارب من المطر إلى السيول؛ فبلغ السيل الزبى؛ وغمرني أي غمر غوارب ما جرى بين زيد وعمرو؛ فأضحيت في ضيق المجال، وسعة الأشغال أشهر ممن يضرب بها الأمثال؛ فجعلت أتمثل بقول من قال:


لقد كنت أشكوك الحوادث برهة ... وأستمرض الأيام وهي صحائح

    إلى أن تغشتني وقيت حوادث
... تحقق أن السالفات منائح



فلما انصرمت عرى الآمال عن الفوز بفراغ البال؛ ورأيت أن الفرصة على جناح الفوات؛ وشمل الأسباب في شرف الشتات؛ وقد مسني الكبر؛ وتضاءلت القوى والقدر؛ ودنا الأجل من الحلول؛ وأشرفت شمس الحياة على الأفول؛ عزمت على إنشاء ما كنت أنويه؛ وتوجهت إلى إملاء ما ظلت أبتغيه؛ ناويا أن أسميه - عند تمامه بتوفيق الله (تعالى) وإنعامه - "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"؛ فشرعت فيه مع تفاقم المكاره علي؛ وتزاحم المشادة بين يدي؛ متضرعا إلى رب العظمة والجبروت؛ خلاق عالم الملك والملكوت؛ في أن يعصمني عن الزيغ والزلل؛ ويقيني مصارع السوء في القول والعمل؛ ويوفقني لتحصيل ما أرومه وأرجوه؛ ويهديني إلى تكميله على أحسن الوجوه؛ ويجعله خير عدة وعتاد؛ أتمتع به يوم المعاد؛ فيا من توجهت وجوه الذل والابتهال نحو بابه المنيع؛ ورفعت أيدي الضراعة والسؤال إلى جنابه الرفيع؛ أفض علينا شوارق أنوار التوفيق؛ وأطلعنا على دقائق أسرار التحقيق؛ وثبت أقدامنا على مناهج هداك؛ وأنطقنا بما فيه أمرك ورضاك؛ ولا تكلنا إلى أنفسنا في لحظة ولا آن؛ وخذ بناصيتنا إلى الخير حيث كان؛ جئناك على جباه الاستكانة ضارعين؛ ولأبواب فيضك قارعين؛ أنت الملاذ في كل أمر مهم؛ وأنت المعاذ في كل خطب ملم؛ لا رب غيرك؛ ولا خير إلا خيرك؛ بيدك مقاليد الأمور؛ لك الخلق والأمر وإليك النشور.

التالي


الخدمات العلمية