صفحة جزء
قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون [ ص: 1047 ] أول من أسلم ولا تكونن من المشركين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون

هذه الموجة الجديدة ذات المد العالي والإيقاع الرهيب ، تجيء في أعقاب الحديث عن التكذيب والإعراض والسخرية والاستهزاء ; وما ختم به هذا الحديث وما تخلله من التهديد المخيف ; مع توجيه الأنظار والقلوب إلى الاعتبار بمصارع المكذبين المستهزئين . . كما أنها تجيء بعد موجة الافتتاح السابقة للحديث عن المكذبين ; والتي عرضت حقيقة الألوهية في المجال الكوني العريض ; وفي المجال الإنساني العميق . وهي كذلك تعرض حقيقة الألوهية في مجالات أخرى ، بإيقاعات جديدة ; ومع مؤثرات كذلك جديدة . . فيقع الحديث عن التكذيب بين موجة الافتتاح وهذه الموجة ; ويبدو أمره في غاية النكارة وفي غاية البشاعة ! .

ولقد عرضت الموجة الأولى حقيقة الألوهية ممثلة في خلق السماوات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، وخلق الإنسان من طين ، وقضاء الأجل الأول لعمره ، وتسمية الأجل الثاني لبعثه . مقررة شمول ألوهية الله للسماوات وللأرض ، وإحاطة علمه بسر الناس وجهرهم وما يكسبونه في السر والجهر . . كل أولئك لا لمجرد التقرير اللاهوتي أو الفلسفي النظري السلبي . ولكن لتقرير مقتضيات هذه الحقائق في الحياة الإنسانية . من إسلامها بجملتها لله وحده ، لا تعدل به أحدا ، ولا تمتري في هذه الوحدانية . ومن إقرارها بشمول الألوهية لشؤون الكون ولشؤون الحياة الإنسانية في السر والجهر . ومن ترتيب النتائج الطبيعية لهذه الحقائق في الاستسلام لحاكمية الله وحده في شؤون الحياة الأرضية كالاستسلام لهذه الحاكمية في الشؤون الكونية . .

فأما هذه الموجة الجديدة فتستهدف كذلك إبراز حقيقة الألوهية ، ممثلة في الملك والفاعلية ، وفي الرزق والكفالة ; وفي القدرة والقهر ; وفي النفع والضر . . كل ذلك لا لمجرد التقرير اللاهوتي أو الفلسفي النظري السلبي . . ولكن لتقرير مقتضيات هذه الحقائق من توحيد الولاية والتوجه ; وتوحيد الاستسلام والعبودية . .

واعتبار الولاية والتوجه مظهر الاستسلام والعبودية . فإذا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستنكر أن يتخذ غير الله وليا ; بين أن هذا الاستنكار قائم أولا على أن الله يطعم ولا يطعم ; وقائم ثانيا على أن تولي غير الله نقض لما أمر به من الإسلام وعدم الشرك أيضا . .

ويصاحب عرض حقيقة الألوهية ، في هذه الصورة ولهذا الغرض ، جملة مؤثرات قوية تخلخل القلوب . تبدأ بعرض حقيقة الملكية لكل شيء . وحقيقة أن الله هو الذي يطعم ولا يطعم . وعرض العذاب الرعيب الذي يعد مجرد صرفه رحمة من الله وفوزا عظيما . وعرض القدرة على الضر والخير . وعرض الاستعلاء والقهر . [ ص: 1048 ] وعرض الحكمة والخبرة . . ثم الإيقاع الرهيب المزلزل ، المتمثل في الأمر العلوي الهائل : قل . قل . قل :

فإذا تم هذا العرض بكل مؤثراته العميقة ، جاء الختام بالإيقاع العالي المجلجل . . إيقاع الإشهاد على التوحيد ، وإنكار الشرك ، والمفاصلة الحاسمة ; مصحوبا كذلك بالأمر العلوي في كل فاصلة : قل: أي شيء أكبر شهادة؟ .. قل الله .. قل: لا أشهد .. قل: إنما هو إله واحد . . مما يضفي على الجو كله رهبة غامرة ; ويضفي على الأمر كله طابع جد مرهوب !

قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون وله ما سكن في الليل والنهار، وهو السميع العليم . .

إنه موقف المواجهة للبيان والتقرير ، ثم المفاصلة . . ومن ثم يبدأ بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهذه المواجهة . مواجهة المشركين - الذين يعرفون أن الله هو الخالق ثم يعدلون به من لا يخلق ; فيجعلون له شركاء مع الله في تصريف حياتهم - مواجهتهم بالسؤال عن الملكية - بعد الخلق - لكل ما في السماوات والأرض ، مستقصيا بهذا السؤال حدود الملكية في المكان :

ما في السماوات والأرض . . مع تقرير الحقيقة التي لم يكونوا هم يجادلون فيها ; والتي حكى القرآن في مواضع أخرى إقرارهم الكامل بها :

قل: لمن ما في السماوات والأرض؟ قل: لله . .

ولقد كان العرب في جاهليتهم - على كل ما في هذه الجاهلية من ضلال في التصور ينشأ عنه انحطاط في الحياة - أرقى - في هذا الجانب - من الجاهلية "العلمية " الحديثة ، التي لا تعرف هذه الحقيقة ، والتي تغلق فطرتها وتعطلها دون رؤية هذه الحقيقة ! كانوا يعرفون ويقررون أن لله ما في السماوات والأرض . ولكنهم ما كانوا يرتبون على هذه الحقيقة نتائجها المنطقية ; بإفراد الله سبحانه بالحاكمية فيما يملك ، وعدم التصرف فيه إلا بإذن الله وحده وشرعه . . وبهذا اعتبروا مشركين ، وسميت حياتهم بالجاهلية ! فكيف بمن يخرجون الحاكمية في أمرهم كله من اختصاص الله سبحانه; ويزاولونها هم بأنفسهم ؟ ! بماذا يوصفون وبماذا توصف حياتهم ؟ لا بد من إعطائهم صفة أخرى غير الشرك . . فهو الكفر والظلم والفسق كما يقرر الله سبحانه . . أيا كانت دعواهم في الإسلام وأيا كانت الصفة التي تعطيها لهم شهادات الميلاد !

ونعود إلى الآية . لنجد السياق يلحق بهذا التقرير لملكية الله - سبحانه - لما في السماوات وما في الأرض ، أنه - سبحانه - :

كتب على نفسه الرحمة . .

فهو سبحانه المالك ، لا ينازعه منازع ، ولكنه - فضلا منه ومنة - كتب على نفسه الرحمة . كتبها بإرادته ومشيئته ; لا يوجبها عليه موجب ; ولا يقترحها عليه مقترح ; ولا يقتضيها منه مقتض - إلا إرادته الطليقة وإلا ربوبيته الكريمة - وهي - الرحمة - قاعدة قضائه في خلقه ، وقاعدة معاملته لهم في الدنيا والآخرة . . والاعتقاد إذن بهذه القاعدة يدخل في مقومات التصور الإسلامي ، فرحمة الله بعباده هي الأصل ، حتى في ابتلائه لهم أحيانا بالضراء . فهو يبتليهم ليعد طائفة منهم بهذا الابتلاء لحمل أمانته ، بعد الخلوص والتجرد والمعرفة والوعي والاستعداد والتهيؤ عن طريق هذا الابتلاء ; وليميز الخبيث من الطيب في الصف ، وليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ; وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة . . والرحمة في هذا كله ظاهرة . . [ ص: 1049 ] على أن تلمس مواضع رحمة الله ومظاهرها يستغرق الأعمار والأجيال . فما من لحظة إلا وتغمر العباد فيها الرحمة . . إنما ذكرنا الرحمة في الابتلاء بالضراء ، لأن هذه هي التي قد تزيغ فيها القلوب والأبصار !

ولن نحاول نحن أن نتقصى مواضع الرحمة الإلهية أو مظاهرها - وإن كنا سنشير إشارة مجملة إلى شيء من ذلك فيما يلي - ولكننا سنحاول أن نقف قليلا أمام هذا النص القرآني العجيب :

كتب على نفسه الرحمة .

وقد تكرر وروده في السورة في موضع آخر سيأتي : كتب ربكم على نفسه الرحمة . .

إن الذي يستوقف النظر في هذا النص هو ذلك التفضل الذي أشرنا من قبل إليه . . تفضل الخالق المالك ذي السلطان القاهر فوق عباده . . تفضله - سبحانه - بأن يجعل رحمته بعباده في هذه الصورة . . مكتوبة عليه . . كتبها هو على نفسه ; وجعلها عهدا منه لعباده . . بمحض إرادته ومطلق مشيئته . . وهي حقيقة هائلة لا يثبت الكيان البشري لتمليها وتأملها وتذوق وقعها ; حين يقف لتدبرها في هذه الصورة العجيبة . .

كذلك يستوقف النظر مرة أخرى ذلك التفضل الآخر الذي يتجلى في إخباره لعباده بما كتبه - سبحانه - على نفسه من رحمته . فإن العناية بإبلاغهم هذه الحقيقة هي تفضل آخر ، لا يقل عن ذلك التفضل الأول ! فمن هم العباد حتى تبلغ العناية بهم أن يبلغوا ما جرت به إرادة الله في الملأ الأعلى ؟ وأن يبلغوا بكلمات منه سبحانه يحملها إليهم رسوله ؟ من هم ؟ إلا أنه الفضل العميم ، الفائض من خلق الله الكريم ؟ !

إن تدبر هذه الحقيقة على هذا النحو ليدع القلب في عجب وفي دهش ; كما يدعه في أنس وفي روح لا تبلغ الكلمات أن تصور جوانبه وحواشيه !

ومثل هذه الحقائق ، وما تثيره في القلب من مشاعر ; ليس موكولا إلى التعبير البشري ليبلغ شيئا في تصويره ; وإن كان القلب البشري مهيأ لتذوقه ، لا لتعريفه !

وتمثل هذه الحقيقة في التصور الإسلامي يكون جانبا أساسيا من تصور حقيقة الألوهية ، وعلاقة العباد بها . . وهو تصور جميل مطمئن ودود لطيف . يعجب الإنسان معه لمناكيد الخلق الذين يتقولون على التصور الإسلامي في هذا الجانب ، لأنه لا يقول ببنوة أحد من عباد الله لله ! - على نحو ما تقول التصورات الكنسية المحرفة - فالتصور الإسلامي إذ يرتفع على هذه التصورات الصبيانية الطفولية ، يبلغ في الوقت ذاته من تصوير العلاقة الرحيمة بين الله وعباده هذا المستوى الذي يعجز التعبير البشري عن وصفه . والذي يترع القلب بحلاوة مذاقه ، كما يروعه بجلال إيقاعه . .

ورحمة الله تفيض على عباده جميعا وتسعهم جميعا ; وبها يقوم وجودهم ، وتقوم حياتهم . وهي تتجلى في كل لحظة من لحظات الوجود أو لحظات الحياة للكائنات . فأما في حياة البشر خاصة فلا نملك أن نتابعها في كل مواضعها ومظاهرها ; ولكننا نذكر منها لمحات في مجاليها الكبيرة .

إنها تتجلى ابتداء في وجود البشر ذاته . في نشأتهم من حيث لا يعلمون . وفي إعطائهم هذا الوجود الإنساني الكريم ; بكل ما فيه من خصائص يتفضل بها الإنسان على كثير من العالمين .

وتتجلى في تسخير ما قدر الله أن يسخره للإنسان ، من قوى الكون وطاقاته . وهذا هو الرزق في مضمونه الواسع الشامل . الذي يتقلب الإنسان في بحبوحة منه في كل لحظة من لحظات حياته .

وتتجلى في تعليم الله للإنسان ، بإعطائه ابتداء الاستعداد للمعرفة ; وتقدير التوافق بين استعداداته هذه وإيحاءات الكون ومعطياته . . هذا العلم الذي يتطاول به بعض المناكيد على الله ، وهو الذي علمهم إياه ! وهو [ ص: 1050 ] من رزق الله بمعناه الواسع الشامل كذلك .

وتتجلى في رعاية الله لهذا الخلق بعد استخلافه في الأرض ، بموالاة إرسال الرسل إليه بالهدى ، كلما نسي وضل ; وأخذه بالحلم كلما لج في الضلال ; ولم يسمع صوت النذير ، ولم يصغ للتحذير . وهو على الله هين . ولكن رحمة الله وحدها هي التي تمهله ، وحلم الله وحده هو الذي يسعه .

وتتجلى في تجاوز الله - سبحانه - عن سيئاته إذا عمل السوء بجهالة ثم تاب ، وبكتابة الرحمة على نفسه ممثلة في المغفرة لمن أذنب ثم أناب .

وتتجلى في مجازاته عن السيئة بمثلها ، ومجازاته على الحسنة بعشر أمثالها . والمضاعفة بعد ذلك لمن يشاء . ومحو السيئة بالحسنة . . وكله من فضل الله . فلا يبلغ أحد أن يدخل الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته . حتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال عن نفسه ، في معرفة كاملة بعجز البشر وفضل الله .

والإقصار منا عن متابعة رحمة الله في مظاهرها ، وإعلان القصور والعي عنها ، هو أجدر وأولى . وإلا فما نحن ببالغين من ذلك شيئا ! وإن لحظة واحدة يفتح الله فيها أبواب رحمته لقلب العبد المؤمن ; فيتصل به ; ويعرفه ; ويطمئن إليه - سبحانه - ويأمن في كنفه ; ويستروح في ظله . . إن لحظة واحدة من هذه اللحظات لتعجز الطاقة البشرية عن تمليها واستجلائها ، فضلا على وصفها والتعبير عنها .

فلننظر كيف مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهذه الرحمة بما يقربها للقلوب شيئا ما :

أخرج الشيخان - بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لما قضى الله الخلق ، - وعند مسلم : لما خلق الله الخلق " - كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي سبقت غضبي . . .

وعند البخاري في رواية أخرى : إن رحمتي غلبت غضبي .

وأخرج الشيخان - بإسناده عنه رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : جعل الله الرحمة مائة جزء . فأمسك عنده تسعة وتسعين ، وأنزل في الأرض جزءا واحدا . فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق ، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه .

وأخرج مسلم - بإسناده عن سلمان الفارسي رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - : إن لله مائة رحمة . فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم ، وتسعة وتسعون ليوم القيامة . .

وله في أخرى : إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة . كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض . فجعل منها في الأرض رحمة واحدة ، فيها تعطف الوالدة على ولدها ، والوحش والطير بعضها على بعض . فإذا كان يوم القيامة أكملها الله تعالى بهذه الرحمة . .

وهذا التمثيل النبوي الموحي ، يقرب للإدراك البشري تصور رحمة الله تعالى . . ذلك إذ ينظر إلى رحمة الأمهات بأطفالها في الخلائق الحية ويتملاها ويعجب لها ، وإلى رحمة القلوب البشرية بالطفولة والشيخوخة ، والضعف والمرض ، وبالأقرباء والأوداء والأصحاب ، وبرحمة الطير والوحش بعضها على بعض - ومنها ما يدعو إلى الدهش والعجب - ثم يرى أن هذا كله من فيض رحمة واحدة من رحمات الله سبحانه . . فهذا مما يقرب إلى إدراكه تصور هذه الرحمة الكبرى شيئا ما !

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يني يعلم أصحابه ويذكرهم بهذه الرحمة الكبرى :

عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبي . فإذا [ ص: 1051 ] امرأة من السبي تسعى قد تحلب ثديها ، إذ وجدت صبيا في السبي ، فأخذته ، فألزقته ببطنها فأرضعته . فقال - صلى الله عليه وسلم - : "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ " قلنا : لا والله وهي تقدر على ألا تطرحه . قال : "فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها . . (أخرجه الشيخان ) .

وكيف لا . وهذه المرأة إنما ترحم ولدها ، من فيض رحمة واحدة من رحمات الله الواسعة ؟

ومن تعليم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه هذه الحقيقة القرآنية ، بهذا الأسلوب الموحي ، كان ينتقل بهم خطوة أخرى ; ليتخلقوا بخلق الله هذا في رحمته ، ليتراحموا فيما بينهم وليرحموا الأحياء جميعا ; ولتتذوق قلوبهم مذاق الرحمة وهم يتعاملون بها ، كما تذوقتها في معاملة الله لهم بها من قبل .

عن ابن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الراحمون يرحمهم الله تعالى . ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء . . (أخرجه أبو داود والترمذي ) .

وعن جرير - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يرحم الله من لا يرحم الناس . . . (أخرجه الشيخان والترمذي ) .

وفي رواية لأبي داود والترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - : قال صلى الله عليه وسلم : لا تنزع الرحمة إلا من شقي .

وعن أبي هريرة كذلك . قال : قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحسن بن علي - رضي الله عنهما - وعنده الأقرع بن حابس . فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا ! فنظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : "من لا يرحم لا يرحم . . (أخرجه الشيخان ) .

ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - يقف في تعليمه لأصحابه - رضوان الله عليهم - عند حد الرحمة بالناس . وقد علم أن رحمة ربه وسعت كل شيء . وأن المؤمنين مأمورون أن يتخلقوا بأخلاق الله ; وأن الإنسان لا يبلغ تمام إنسانيته إلا حين يرحم كل حي تخلقا بخلق الله سبحانه . وكان تعليمه لهم بالطريقة الموحية التي عهدناها :

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش ، فوجد بئرا ، فنزل فيها فشرب ، ثم خرج ، وإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش . فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني ، فنزل البئر ، فملأ خفه ماء ، ثم أمسكه بفيه حتى رقي ، فسقى الكلب . فشكر الله تعالى له فغفر له " . قالوا : يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرا ؟ قال : "في كل كبد رطبة أجر . . (أخرجه مالك والشيخان ) .

وفي أخرى : إن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر ، قد أدلع (أي أخرج ) لسانه من العطش فنزعت له موقها (أي خفها ) فغفر لها به .

وعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه - رضي الله عنه - قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر . فرأينا حمرة (طائر ) معها فرخان لها فأخذناهما . فجاءت الحمرة تعرش (أو تفرش ) (أي ترخي جناحيها وتدنو من الأرض ) فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من فجع هذه بولدها ؟ ردوا ولدها إليها .

ورأى قرية نمل قد أحرقناها فقال : من أحرق هذه ؟ قلنا : نحن . قال : إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار .

(أخرجه أبو داود ) . .

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قرصت نملة نبيا من الأنبياء . [ ص: 1052 ] فأمر بقرية النمل فحرقت . فأوحى الله تعالى إليه : أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح ؟ . . . (أخرجه الشيخان ) .

وهكذا علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه هدي القرآن . ليتذوقوا رحمة الله من خلال مزاولتهم للرحمة . . أليس أنهم إنما يتراحمون برحمة واحدة من رحمات الله الكثيرة ؟ !

وبعد فإن استقرار هذه الحقيقة في تصور المسلم لينشئ في حسه وفي حياته وفي خلقه آثارا عميقة ; يصعب كذلك تقصيها ; ولا بد من الاكتفاء بالإشارة السريعة إليها ، كي لا نخرج من نطاق الظلال القرآنية ، إلى قضية مستقلة !

إن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو ليسكب في قلب المؤمن الطمأنينة إلى ربه - حتى وهو يمر بفترات الابتلاء بالضراء ، التي تزيغ فيها القلوب والأبصار - فهو يستيقن أن الرحمة وراء كل لمحة ، وكل حالة ، وكل وضع ; وأن ربه لا يعرضه للابتلاء لأنه تخلى عنه ، أو طرده من رحمته . فإن الله لا يطرد من رحمته أحدا يرجوها . إنما يطرد الناس أنفسهم من هذه الرحمة حين يكفرون بالله ويرفضون رحمته ويبعدون عنها ! وهذه الطمأنينة إلى رحمة الله تملأ القلب بالثبات والصبر ، وبالرجاء والأمل ، وبالهدوء والراحة . . فهو في كنف ودود ، يستروح ظلاله ، ما دام لا يبعد عنه في الشرود !

والشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يستجيش في حس المؤمن الحياء من الله . فإن الطمع في المغفرة والرحمة لا يجرئ على المعصية - كما يتوهم البعض - إنما يستجيش الحياء من الله الغفور الرحيم . والقلب الذي تجرئه الرحمة على المعصية هو قلب لم يتذوق حلاوة الإيمان الحقيقية ! لذلك لا أستطيع أن أفهم أو أسلم ما يجري على ألسنة بعض المتصوفة من أنهم يلجون في الذنب ليتذوقوا حلاوة الحلم ، أو المغفرة ، أو الرحمة . . إن هذا ليس منطق الفطرة السوية في مقابلة الرحمة الإلهية !

كذلك فإن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يؤثر تأثيرا قويا في خلق المؤمن ، وهو يعلم أنه مأمور أن يتخلق بأخلاق الله - سبحانه - وهو يرى نفسه مغمورا برحمة الله مع تقصيره وذنبه وخطئه ; فيعلمه ذلك كله كيف يرحم ، وكيف يعفو ، وكيف يغفر . . كما رأينا في تعليم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه ; مستمدا تعليمه لهم من هذه الحقيقة الكبيرة . .

التالي السابق


الخدمات العلمية