صفحة جزء
ثم يأتي السياق للمشهد التاسع. المشهد الفذ الذي اختص الله به نبيه موسى - عليه السلام - مشهد الخطاب المباشر بين الجليل - سبحانه - وعبد من عباده. المشهد الذي تتصل فيه الذرة المحدودة الفانية بالوجود الأزلي الأبدي بلا وساطة ويطيق الكائن البشري أن يتلقى عن الخالق الأبدي، وهو بعد على هذه الأرض..

ولا ندري نحن كيف.. لا ندري كيف كان كلام الله - سبحانه - لعبده موسى. ولا ندري بأية حاسة أو جارحة أو أداة تلقى موسى كلمات الله. فتصوير هذا على وجه الحقيقة متعذر علينا نحن البشر المحكومين في تصوراتنا بنصيبنا المحدود من الطاقة المدركة وبرصيدنا المحدود من التجارب الواقعة. ولكننا نملك بالسر اللطيف المستمد من روح الله الذي في كياننا أن نستروح وأن نستشرف هذا الأفق السامق الوضيء. ثم نقف عند هذا الاستشراف لا نحاول أن نفسده بسؤالنا عن الكيفية، نريد أن نتصورها بإدراكنا القريب المحدود! ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه، قال: رب أرني أنظر إليك. قال: لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني. فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، وخر موسى صعقا. فلما أفاق قال: سبحانك! تبت إليك وأنا أول المؤمنين. قال: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي. فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين. وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء، فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها. سأريكم دار الفاسقين. سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا، ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين. والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم. هل يجزون إلا ما كانوا يعملون؟ .

إننا لفي حاجة إلى استحضار ذلك الموقف الفريد في خيالنا وفي أعصابنا وفي كياننا كله.. في حاجة إلى استحضاره لنستشرف ونحاول الاقتراب من تصوره ولنشعر بشيء من مشاعر موسى عليه السلام فيه..

ولما جاء موسى لميقاتنا، وكلمه ربه، قال: رب أرني أنظر إليك ..

إنها الوهلة المذهلة وموسى يتلقى كلمات ربه وروحه تتشوف وتستشرف وتشتاق إلى ما يشوق! فينسى من هو، وينسى ما هو، ويطلب ما لا يكون لبشر في هذه الأرض، وما لا يطيقه بشر في هذه الأرض.. يطلب [ ص: 1369 ] الرؤية الكبرى وهو مدفوع في زحمة الشوق ودفعة الرجاء ولهفة الحب ورغبة الشهود.. حتى تنبهه الكلمة الحاسمة الجازمة:

قال: لن تراني ..

ثم يترفق به الرب العظيم الجليل، فيعلمه لماذا لن يراه.. إنه لا يطيق..

ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني ..

والجبل أمكن وأثبت. والجبل مع تمكنه وثباته أقل تأثرا واستجابة من الكيان البشري.. ومع ذلك فماذا؟

فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ..

فكيف كان هذا التجلي؟ نحن لا نملك أن نصفه، ولا نملك أن ندركه. ولا نملك أن نستشرفه إلا بتلك اللطيفة التي تصلنا بالله، حين تشف أرواحنا وتصفو، وتتجه بكليتها إلى مصدرها. فأما الألفاظ المجردة فلا تملك أن تنقل شيئا.. لذلك لا نحاول بالألفاظ أن نصور هذا التجلي.. ونحن أميل إلى اطراح كل الروايات التي وردت في تفسيره وليس منها رواية عن المعصوم - صلى الله عليه وسلم - والقرآن الكريم لم يقل عن ذلك شيئا.

فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ..

وقد ساخت نتوءاته فبدا مسوى بالأرض مدكوكا.. وأدركت موسى رهبة الموقف، وسرت في كيانه البشري الضعيف:

وخر موسى صعقا .

مغشيا عليه، غائبا عن وعيه.

فلما أفاق ..

وثاب إلى نفسه، وأدرك مدى طاقته، واستشعر أنه تجاوز المدى في سؤاله:

قال: سبحانك! ..

تنزهت وتعاليت عن أن ترى بالأبصار وتدرك.

تبت إليك ..

عن تجاوزي للمدى في سؤالك! وأنا أول المؤمنين ..

والرسل دائما هم أول المؤمنين بعظمة ربهم وجلاله، وبما ينزله عليهم من كلماته.. وربهم يأمرهم أن يعلنوا هذا، والقرآن الكريم يحكي عنهم هذا الإعلان في مواضع منه شتى.

وأدركت موسى رحمة الله مرة أخرى فإذا هو يتلقى منه البشرى.. بشرى الاصطفاء، مع التوجيه له بالرسالة إلى قومه بعد الخلاص.. وكانت رسالته إلى فرعون وملئه من أجل هذا الخلاص:

قال: يا موسى، إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ..

ونفهم من قول الله سبحانه لموسى - عليه السلام - إني اصطفيتك على الناس برسالاتي .. أن المقصود بالناس الذين اصطفاه عليهم هم أهل زمانه - فالرسل كانوا قبل موسى وبعده - فهو الاصطفاء على جيل من [ ص: 1370 ] الناس بحكم هذه القرينة. أما الكلام فهو الذي تفرد به موسى - عليه السلام - أما أمر الله تعالى لموسى بأخذ ما آتاه، والشكر على الاصطفاء والعطاء، فهو أمر التعليم والتوجيه لما ينبغي أن تقابل به نعمة الله. والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - قدوة للناس وللناس فيهم أسوة وعلى الناس أن يأخذوا ما آتاهم الله بالقبول والشكر استزادة من النعمة وإصلاحا للقلب وتحرزا من البطر واتصالا بالله..

ثم يبين السياق ماذا كان مضمون الرسالة، وكيف أوتيها موسى:

وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء ..

وتختلف الروايات والمفسرون في شأن هذه الألواح ويصفها بعضهم أوصافا مفصلة - نحسب أنها منقولة عن الإسرائيليات التي تسربت إلى التفسير - ولا نجد في هذا كله شيئا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنكتفي بالوقوف عند النص القرآني الصادق لا نتعداه. وما تزيد تلك الأوصاف شيئا أو تنقص من حقيقة هذه الألواح. أما ما هي وكيف كتبت فلا يعنينا هذا في شيء بما أنه لم يرد عنها من النصوص الصحيحة شيء.

والمهم هو ما في هذه الألواح. إن فيها من كل شيء يختص بموضوع الرسالة وغايتها من بيان الله وشريعته والتوجيهات المطلوبة لإصلاح حال هذه الأمة وطبيعتها التي أفسدها الذل وطول الأمد سواء! فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ..

والأمر الإلهي الجليل لموسى - عليه السلام - أن يأخذ الألواح بقوة وعزم، وأن يأمر قومه أن يأخذوا بما فيها من التكاليف الشاقة بوصفه الأحسن لهم والأصلح لحالهم.. هذا الأمر على هذا النحو فضلا على أنه يشي بضرورة هذا الأسلوب في أخذ هذه الطبيعة الإسرائيلية، التي أفسدها الذل وطول الأمد، بالعزم والجد، لتحمل تكاليف الرسالة والخلافة، فإنه - كذلك - يوحي بالمنهج الواجب في أخذ كل أمة لكل عقيدة تأتيها..

إن العقيدة أمر هائل عند الله - سبحانه - وأمر هائل في حساب هذا الكون، وقدر الله الذي يصرفه، وأمر هائل في تاريخ " الإنسان " وحياته في هذه الأرض وفي الدار الآخرة كذلك.. والمنهج الذي تشرعه العقيدة في وحدانية الله - سبحانه - وعبودية البشر لربوبيته وحده، منهج يغير أسلوب الحياة البشرية بجملتها، ويقيم هذه الحياة على أسلوب آخر غير الذي تجري عليه في الجاهلية، حيث تقوم ربوبية غير ربوبية الله سبحانه، ذات منهج للحياة كلها غير منهج الله الذي ينبثق من تلك العقيدة..

وأمر له هذه الخطورة عند الله، وفي حساب الكون، وفي طبيعة الحياة وفي تاريخ " الإنسان " .. يجب أن يؤخذ بقوة، وأن تكون له جديته في النفس، وصراحته وحسمه. ولا ينبغي أن يؤخذ في رخاوة، ولا في تميع، ولا في ترخص، ذلك أنه أمر هائل في ذاته، فضلا على أن تكاليفه باهظة لا يصبر عليها من طبيعته الرخاوة والتميع والترخص، أو من يأخذ الأمر بمثل هذه المشاعر..

وليس معنى هذا - بطبيعة الحال - هو التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض! فهذا ليس من طبيعة دين الله..

ولكن معناه الجد والهمة والحسم والصراحة.. وهي صفات أخرى ومشاعر أخرى غير مشاعر التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض! ولقد كانت طبيعة بني إسرائيل - بصفة خاصة - بعد ما أفسدها طول الذل والعبودية في مصر، تحتاج إلى هذا التوجيه. لذلك نلحظ أن كل الأوامر لبني إسرائيل كانت مصحوبة بمثل هذا التشديد وهذا التوكيد، تربية لهذه الطبيعة الرخوة الملتوية المنحرفة الخاوية، على الاستقامة والجد والوضوح والصراحة..

ومثل طبيعة بني إسرائيل كل طبيعة تعرضت لمثل ما تعرضوا له من طول العبودية والذل، والخضوع [ ص: 1371 ] للإرهاب والتعبد للطواغيت، فبدت عليها أعراض الالتواء والاحتيال، والأخذ بالأسهل تجنبا للمشقة..

كما هو الملحوظ في واقع كثير من الجماعات البشرية التي نطالعها في زماننا هذا، والتي تهرب من العقيدة لتهرب من تكاليفها، وتسير مع القطيع لأن السير مع القطيع لا يكلفها شيئا! وفي مقابل أخذ هذا الأمر بقوة يعد الله موسى وقومه أن يمكن لهم في الأرض، ويورثهم دار الفاسقين عن دينه:

سأريكم دار الفاسقين ..

والأقرب أنها إشارة إلى الأرض المقدسة التي كانت - في ذلك الزمان - في قبضة الوثنيين، وأنها بشارة لهم بدخولها.. وإن كان بنو إسرائيل لم يدخلوها في عهد موسى - عليه السلام - لأن تربيتهم لم تكن قد استكملت، وطبيعتهم تلك لم تكن قد قومت، فوقفوا أمام الأرض المقدسة يقولون لنبيهم: يا موسى إن فيها قوما جبارين. وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون! .. ثم لما ألح عليهم الرجلان المؤمنان فيهم اللذان يخافان الله، في الدخول والاقتحام! أجابوا موسى بتوقح الجبان - كالدابة التي ترفس سائقها! - :

قالوا إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون! .. مما يصور تلك الطبيعة الخائرة المفككة الملتوية التي كانت تعالجها العقيدة والشريعة التي جاء بهاموسى عليه السلام، وأمر هذا الأمر الإلهي الجليل أن يأخذها بقوة، وأن يأمر قومه بحمل تكاليفها الشاقة..

وفي نهاية المشهد والتكليم يجيء بيان لعاقبة الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، ويعرضون عن آيات الله وتوجيهاته، يتضمن تصويرا دقيقا لطبيعة هذا الصنف من الناس، في نصاعة وجمال التصوير القرآني الفريد لأنماط الطبائع ونماذج النفوس:

سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا. ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين. والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم. هل يجزون إلا ما كانوا يعملون؟ ..

إن الله تعالى يعلن عن مشيئته في شأن أولئك الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا.. إنه سيصرفهم عن آياته فلا ينتفعون بها ولا يستجيبون لها.. آياته في كتاب الكون المنظور، وآياته في كتبه المنزلة على رسله..

ذلك بسبب أنهم كذبوا بآياته سبحانه وكانوا عنها غافلين.

وإن هذا النموذج من الناس ليرتسم من خلال الكلمات القرآنية، كأنما نراه بسماته وحركاته! الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ..

وما يتكبر عبد من عبيد الله في أرضه بالحق أبدا. فالكبرياء صفة الله وحده. لا يقبل فيها شريكا. وحيثما تكبر إنسان في الأرض كان ذلك تكبرا بغير الحق! وشر التكبر ادعاء حق الربوبية في الأرض على عباد الله، ومزاولة هذا الحق بالتشريع لهم من دون الله وتعبيدهم لهذا التشريع الباطل، ومن هذا التكبر تنشأ سائر ألوان التكبر. فهو أساس الشر كله ومنه ينبعث. ومن ثم تجيء بقية الملامح:

وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ..

فهي جبلة تجنح عن سبيل الرشد حيثما رأته، وتجنح إلى سبيل الغي حيثما لاح لها كأنما بآلية في تركيبها [ ص: 1372 ] لا تتخلف! وهذه هي السمة التي يرسمها التعبير، ويطبع بها هذا النموذج المتكبر، الذي قضت مشيئة الله أن يجازيه على التكذيب بآيات الله والغفلة عنها بصرفه عن هذه الآيات أبدا! وإن الإنسان ليصادف هذا الصنف من الخلق بوصفه هذا وسمته وملامحه، فيرى كأنما يتجنب الرشد ويتبع الغي دون جهد منه. ودون تفكير ولا تدبير! فهو يعمى عن طريق الرشد ويتجنبه، وينشرح لطريق الغي ويتبعه! وهو في الوقت ذاته مصروف عن آيات الله لا يراها ولا يتدبرها ولا تلتقط أجهزته إيحاءاتها وإيقاعاتها! وسبحان الله! فمن خلال اللمسات السريعة في العبارة القرآنية العجيبة ينتفض هذا النموذج من الخلق شاخصا بارزا حتى ليكاد القارئ يصيح لتوه: نعم. نعم. أعرف هذا الصنف من الخلق.. إنه فلان!!! وإنه للمعني الموصوف بهذه الكلمات!!! وما يظلم الله هذا الصنف من الخلق بهذا الجزاء المردي المؤدي إلى الهلاك في الدنيا والآخرة.. إنما هو الجزاء الحق لمن يكذب بآيات الله ويغفل عنها، ويتكبر في الأرض بغير الحق، ويتجنب سبيل الرشد حيثما رآه، ويهرع إلى سبيل الغي حيثما لاح له! فإنما بعمله جوزي وبسلوكه أورد موارد الهلاك.

ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ..

والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم. هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ..

وحبوط الأعمال مأخوذ من قولهم: حبطت الناقة.. إذا رعت نباتا ساما، فانتفخ بطنها ثم نفقت.. وهو وصف ملحوظ فيه طبيعة الباطل الذي يصدر من المكذبين بآيات الله ولقاء الآخرة. فهو ينتفخ حتى يظنه الناس من عظمة وقوة! ثم ينفق كما تنفق الناقة التي رعت ذلك النبات السام! وإنه لجزاء كذلك حق أن تحبط وتهلك أعمال الذين كذبوا بآيات الله ولقاء الآخرة.. ولكن كيف تحبط هذه الأعمال؟

من ناحية الاعتقاد.. نحن نؤمن بصدق وعيد الله لا محالة أيا كانت الظواهر التي تخالف هذه العاقبة المحتومة. فحيثما كذب أحد بآيات الله ولقائه في الآخرة حبط عمله وبطل، وهلك في النهاية وذهب كأن لم يكن..

ومن ناحية النظر.. نحن نجد السبب واضحا في حياة البشر.. إن الذي يكذب بآيات الله المبثوثة في صفحات هذا الكون المنشور، أو آياته المصاحبة للرسالات، أو التي يحملها الرسل ويكذب تبعا لهذا بلقاء الله في اليوم الآخر.. إن هذا الكائن المسيخ روح ضالة شاردة عن طبيعة هذا الكون المؤمن المسلم ونواميسه.. لا تربطه بهذا الكون رابطة. وهو منقطع عن دوافع الحركة الصادقة الموصولة بغاية الوجود واتجاهه. وكل عمل يصدر عن مثل هذا المسخ المقطوع هو عمل حابط ضائع، ولو بدا أنه قائم وناجح. لأنه لا ينبعث عن البواعث الأصيلة العميقة في بنية هذا الوجود ولا يتجه إلى الغاية الكبيرة التي يتجه إليها الكون كله. شأنه شأن الجدول الذي ينقطع عن النبع الأول، فمآله إلى الجفاف والضياع في يوم قريب أو بعيد! والذين لا يرون العلاقة الوثيقة بين تلك القيم الإيمانية وحركة التاريخ الإنساني والذين يغفلون عن قدر الله الذي يجري بعاقبة الذين يتنكرون لهذه القيم.. هؤلاء إنما هم الغافلون الذين أعلن الله - سبحانه - عن مشيئته في أمرهم، بصرفهم عن رؤية آياته، وتدبر سننه.. وقدر الله يتربص بهم وهم عنه غافلون..

والذين يخدعهم ما يرونه في الأمد القصير المحدود، من فلاح بعض الذين يغفلون عن تلك القيم الإيمانية ونجاحهم إنما يخدعهم الانتفاخ الذي يصيب الدابة وقد رعت النبت السام فيحسبونه شحما وسمنة وعافية [ ص: 1373 ] وصحة.. والهلاك يترصدها بعد الانتفاخ والحبوط! والأمم التي خلت شاهد واقع. ولكن الذين سكنوا مساكنهم من بعدهم، لا يأخذون منهم عبرة، ولا يرون سنة الله التي تعمل ولا تتخلف وقدر الله الذي يجري ولا يتوقف.. والله من ورائهم محيط..

وبينما كان موسى - عليه السلام - في حضرة ربه، في ذلك الموقف الفريد، الذي تستشرفه البصائر وتقصر عنه الأبصار وتدركه الأرواح وتحار فيه الأفكار.. كان قوم موسى من بعده يرتكسون وينتكسون، ويتخذون لهم عجلا جسدا له خوار - لا حياة فيه - يعبدونه من دون الله! ويفاجئنا السياق القرآني بنقلة بعيدة من المشهد التاسع إلى المشهد العاشر. نقلة هائلة من الجو العلوي السامق المشرق بسبحاته وأشواقه وابتهالاته وكلماته إلى الجو الهابط المتردي بانحرافاته وخرافاته وارتكاساته وانتكاساته:

واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار. ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا؟ اتخذوه وكانوا ظالمين. ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا: لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ..

إنها طبيعة إسرائيل التي ما تكاد تستقيم خطوة حتى تلتوي عن الطريق والتي ما تكاد ترتفع عن مدى الرؤية الحسية في التصور والاعتقاد والتي يسهل انتكاسها كلما فتر عنها التوجيه والتسديد..

لقد راودوا نبيهم من قبل أن يجعل لهم إلها يعكفون عليه بمجرد رؤيتهم لقوم وثنيين يعكفون على أصنام لهم! فصدهم نبيهم عن ذلك الخاطر وردهم ردا شديدا. فلما خلوا إلى أنفسهم، ورأوا عجلا جسدا من الذهب - لا حياة فيه كما تفيد كلمة جسد - صنعه لهم السامري - رجل من السامرة كما يجيء تفصيل قصته في سورة طه - واستطاع أن يجعله بهيئة بحيث يخرج صوتا كصوت خوار الثيران.. لما رأوا ذلك العجل الجسد طاروا إليه، وتهافتوا عليه حين قال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى الذي خرج موسى لميقاته معه فنسي موسى موعده معه - ربما لزيادة الليالي العشر الأخيرة في الميقات التي لم يكن القوم يعلمونها، فلما زاد عن الثلاثين ولم يرجع قال لهم السامري: لقد نسي موسى موعده مع إلهه فهذا إلهه! - ولم يتذكروا وصية نبيهم لهم من قبل بعبادة ربهم الذي لا تراه الأبصار - رب العالمين - ولم يتدبروا حقيقة هذا العجل الذي صنعه لهم واحد منهم! .. وإنها لصورة زرية للبشرية تلك التي كان يمثلها القوم. صورة يعجب منها القرآن الكريم وهو يعرضها على المشركين في مكة وهم يعبدون الأصنام! ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا؟ اتخذوه وكانوا ظالمين! ..

وهل أظلم ممن يعبد خلقا من صنع أيدي البشر. والله خلقهم وما يصنعون؟! وكان فيهم هارون - عليه السلام - فلم يملك لهم ردا عن هذا الضلال السخيف. وكان فيهم بعض عقلائهم فلم يملكوا زمام الجماهير الضالة المتدافعة على العجل الجسد - وبخاصة أنه من الذهب معبود إسرائيل الأصيل! وأخيرا هدأت الهيجة، وانكشفت الحقيقة، وتبين السخف، ووضح الضلال، وجاءت نوبة الندم والإقرار:

ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا، قالوا: لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ..

يقال: سقط في يده إذا عدم الحيلة في دفع ما هو بصدده من أمر.. ولما رأى بنو إسرائيل أنهم صاروا - [ ص: 1374 ] بهذه النكسة - إلى موقف لا يملكون دفعه فقد وقع منهم وانتهى! قالوا قولتهم هذه:

لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ..

وهذه القولة تدل على أنه كان فيهم - إلى ذلك الحين - بقية من استعداد صالح. فلم تكن قلوبهم قد قست كما قست من بعد - فهي كالحجارة أو أشد قسوة كما يصفهم من هو أعلم بهم! - فلما أن تبين لهم ضلالهم ندموا وعرفوا أنه لا ينقذهم من عاقبة ما أتوا إلا أن تدركهم رحمة ربهم ومغفرته.. وهذه علامة طيبة على بقية من استعداد في الفطرة للصلاح..

التالي السابق


الخدمات العلمية