صفحة جزء
ومنهم من يلمزك في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون. ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله، وقالوا: حسبنا الله، سيؤتينا الله من فضله ورسوله، إنا إلى الله راغبون. إنما الصدقات للفقراء والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله وابن السبيل، فريضة من الله والله عليم حكيم ..

من المنافقين من يغمزك بالقول، ويعيب عدالتك في توزيع الصدقات، ويدعي أنك تحابي في قسمتها. وهم لا يقولون ذلك غضبا للعدل، ولا حماسة للحق، ولا غيرة على الدين، إنما يقولونه لحساب ذواتهم وأطماعهم، وحماسة لمنفعتهم وأنانيتهم:

فإن أعطوا منها رضوا ولم يبالوا الحق والعدل والدين!

وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ! وقد وردت روايات متعددة عن سبب نزول الآية، تقص حوادث معينة عن أشخاص بأعيانهم لمزوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في عدالة التوزيع.

روى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يقسم قسما إذ جاءه ذو الخويصر التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله. فقال: "ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟" فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ائذن لي فأضرب عنقه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم في الرمية..." قال أبو سعيد، فنزلت فيهم: "ومنهم من يلمزك في الصدقات".

وروى ابن مردويه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "لما قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - غنائم حنين سمعت رجلا يقول: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له ذلك فقال: " رحمة الله على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" ونزل ومنهم من يلمزك في الصدقات

وروى سنيد وابن جرير عن داود بن أبي عاصم قال: أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بصدقة فقسمها هاهنا وهاهنا حتى ذهبت، ورآه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل. فنزلت هذه الآية.

وقال قتادة في قوله: ومنهم من يلمزك في الصدقات يقول: ومنهم من يطعن عليك في الصدقات وذكر لنا أن رجلا من أهل البادية حديث عهد بأعرابية أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم ذهبا [ ص: 1668 ] وفضة، فقال: يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت، فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - "ويلك فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي؟"

وعلى أية حال فالنص القرآني يقرر أن القولة قولة فريق من المنافقين. يقولونها لا غيرة على الدين، ولكن غضبا على حظ أنفسهم، وغيظا أن لم يكن لهم نصيب.. وهي آية نفاقهم الصريحة، فما يشك في خلق الرسول - صلى الله عليه وسلم - مؤمن بهذا الدين، وهو المعروف حتى قبل الرسالة بأنه الصادق الأمين. والعدل فرع من أمانات الله التي ناطها بالمؤمنين فضلا على نبي المؤمنين.. وواضح أن هذه النصوص تحكي وقائع وظواهر وقعت من قبل، ولكنها تتحدث عنها في ثنايا الغزوة لتصوير أحوال المنافقين الدائمة المتصلة قبل الغزوة وفي ثناياها.

وبهذه المناسبة يرسم السياق الطريق اللائق بالمؤمنين الصادقي الإيمان:

ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله، وقالوا: حسبنا الله، سيؤتينا الله من فضله ورسوله. إنا إلى الله راغبون ..

فهذا هو أدب النفس وأدب اللسان، وأدب الإيمان: الرضا بقسمة الله ورسوله، رضا التسليم والاقتناع لا رضا القهر والغلب. والاكتفاء بالله، والله كاف عبده. والرجاء في فضل الله ورسوله والرغبة في الله خالصة من كل كسب مادي، ومن كل طمع دنيوي.. ذلك أدب الإيمان الصحيح الذي ينضح به قلب المؤمن. وإن كانت لا تعرفه قلوب المنافقين، الذين لم تخالط بشاشة الإيمان أرواحهم، ولم يشرق في قلوبهم نور اليقين.

وبعد بيان هذا الأدب اللائق في حق الله وحق رسوله، تطوعا ورضا وإسلاما، يقرر أن الأمر - مع ذلك - ليس أمر الرسول; إنما هو أمر الله وفريضته وقسمته، وما الرسول فيها إلا منفذ للفريضة المقسومة من رب العالمين. فهذه الصدقات - أي: الزكاة - تؤخذ من الأغنياء فريضة من الله، وترد على الفقراء فريضة من الله. وهي محصورة في طوائف من الناس يعينهم القرآن، وليست متروكة لاختيار أحد حتى ولا اختيار الرسول:

إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل. فريضة من الله والله عليم حكيم ..

وبذلك تأخذ الزكاة مكانها في شريعة الله، ومكانها في النظام الإسلامي، لا تطوعا ولا تفضلا ممن فرضت عليهم. فهي فريضة محتمة. ولا منحة ولا جزافا من القاسم الموزع. فهي فريضة معلومة. إنها إحدى فرائض الإسلام تجمعها الدولة المسلمة بنظام معين لتؤدي بها خدمة اجتماعية محددة. وهي ليست إحسانا من المعطي وليست شحاذة من الآخذ.. كلا فما قام النظام الاجتماعي في الإسلام على التسول، ولن يقوم!

إن قوام الحياة في النظام الإسلامي هو العمل - بكل صنوفه وألوانه - وعلى الدولة المسلمة أن توفر العمل لكل قادر عليه، وأن تمكنه منه بالإعداد له، وبتوفير وسائله، وبضمان الجزاء الأوفى عليه، وليس للقادرين على العمل من حق في الزكاة، فالزكاة ضريبة تكافل اجتماعي بين القادرين والعاجزين، تنظمها الدولة وتتولاها في الجمع والتوزيع; متى قام المجتمع على أساس الإسلام الصحيح، منفذا شريعة الله، لا يبتغي له شرعا ولا منهجا سواه.

[ ص: 1669 ] عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي".

وعن عبد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر، فرآهما جلدين، فقال: "إن شئتما أعطيتكما. ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب".

إن الزكاة فرع من فروع نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام. وهذا النظام أشمل وأوسع كثيرا من الزكاة; لأنه يتمثل في عدة خطوط تشمل فروع الحياة كلها، ونواحي الارتباطات البشرية بأكملها، والزكاة خط أساسي من هذه الخطوط:

والزكاة تجمع بنسبة العشر ونصف العشر وربع العشر من أصل المال حسب أنواع الأموال. وهي تجمع من كل من يملك حوالي عشرين جنيها فائضة عن حاجته يحول عليها الحول. وبذلك يشترك في حصيلتها معظم أفراد الأمة. ثم تنفق في المصارف التي بينتها الآية هنا، وأول المستحق لها هم الفقراء والمساكين. والفقراء هم الذين يجدون دون الكفاية، والمساكين مثلهم ولكنهم هم الذين يتجملون فلا يبدون حاجتهم ولا يسألون.

وإن كثيرا ممن يؤدون الزكاة في عام، قد يكونون في العام التالي مستحقين للزكاة. بنقص ما في أيديهم عن الوفاء بحاجاتهم. فهي من هذه الناحية تأمين اجتماعي. وبعضهم يكون لم يؤد شيئا في حصيلة الزكاة ولكنه يستحقها. فهي من هذه الناحية ضمان اجتماعي.. وهي قبل هذا وذاك فريضة من الله، تزكو النفس بأدائها وهي إنما تعبد بها الله، وتخلص من الشح وتستعلي عليه في هذا الأداء.

إنما الصدقات للفقراء والمساكين .. وقد سبق بيانهما.

والعاملين عليها .. أي: الذين يقومون على تحصيلها.

والمؤلفة قلوبهم .. وهم طوائف: منهم الذين دخلوا حديثا في الإسلام ويراد تثبيتهم عليه. ومنهم الذين يرجى أن تتألف قلوبهم فيسلموا. ومنهم الذين أسلموا وثبتوا ويرجى تأليف قلوب أمثالهم في قومهم ليثوبوا إلى الإسلام حين يرون إخوانهم يرزقون ويزادون.. وهناك خلاف فقهي حول سقوط سهم هؤلاء المؤلفة قلوبهم بعد غلبة الإسلام.. ولكن المنهج الحركي لهذا الدين سيظل يواجه في مراحله المتعددة كثيرا من الحالات، تحتاج إلى إعطاء جماعة من الناس على هذا الوجه; إما إعانة لهم على الثبات على الإسلام إن كانوا يحاربون في أرزاقهم لإسلامهم، وإما تقريبا لهم من الإسلام كبعض الشخصيات غير المسلمة التي يرجى أن تنفع الإسلام بالدعوة له والذب عنه هنا وهناك. ندرك هذه الحقيقة، فنرى مظهرا لكمال حكمة الله في تدبيره لأمر المسلمين على اختلاف الظروف والأحوال.

وفي الرقاب .. ذلك حين كان الرق نظاما عالميا، تجري المعاملة فيه على المثل في استرقاق الأسرى بين المسلمين وأعدائهم. ولم يكن للإسلام بد من المعاملة بالمثل حتى يتعارف العالم على نظام آخر غير الاسترقاق.. وهذا السهم كان يستخدم في إعانة من يكاتب سيده على الحرية في نظير مبلغ يؤديه له، ليحصل على حريته [ ص: 1670 ] بمساعدة قسطه من الزكاة. أو بشراء رقيق وإعتاقهم بمعرفة الدولة من هذا المال.

والغارمين .. وهم المدينون في غير معصية. يعطون من الزكاة ليوفوا ديونهم، بدلا من إعلان إفلاسهم كما تصنع الحضارة المادية بالمدينين من التجار مهما تكن الأسباب! فالإسلام نظام تكافلي، لا يسقط فيه الشريف، ولا يضيع فيه الأمين، ولا يأكل الناس بعضهم بعضا في صورة قوانين نظامية، كما يقع في شرائع الأرض أو شرائع الغاب!

وفي سبيل الله .. وذلك باب واسع يشمل كل مصلحة للجماعة، تحقق كلمة الله.

وابن السبيل .. وهو المسافر المنقطع عن ماله، ولو كان غنيا في بلده.

هذه هي الزكاة التي يتقول عليها المتقولون في هذا الزمان، ويلمزونها بأنها نظام تسول وإحسان.. هذه هي فريضة اجتماعية، تؤدى في صورة عبادة إسلامية. ذلك ليطهر الله بها القلوب من الشح; وليجعلها وشيجة تراحم وتضامن بين أفراد الأمة المسلمة، تندي جو الحياة الإنسانية، وتمسح على جراح البشرية; وتحقق في الوقت ذاته التأمين الاجتماعي والضمان الاجتماعي في أوسع الحدود. وتبقى لها صفة العبادة التي تربط بين القلب البشري وخالقه، كما تربط بينه وبين الناس:

فريضة من الله الذي يعلم ما يصلح لهذه البشرية، ويدبر أمرها بالحكمة:

والله عليم حكيم .

التالي السابق


الخدمات العلمية