صفحة جزء
وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم .

وهذه نعمة شاملة للبشر في كل رسالة. فلكي يتمكن الرسول من إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، لم يكن بد من أن يرسل بلغتهم، ليبين لهم وليفهموا عنه، فتتم الغاية من الرسالة.

وقد أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - بلسان قومه - وإن كان رسولا إلى الناس كافة - لأن قومه هم الذين سيحملون رسالته إلى كافة البشر. وعمره - صلى الله عليه وسلم - محدود. وقد أمر ليدعو قومه أولا حتى تخلص الجزيرة العربية للإسلام. ومن ثم تكون مهدا يخرج منه حملة رسالة محمد إلى سائر بقاع الأرض. والذي حدث بالفعل - وهو من تقدير الله العليم الخبير - أن اختير الرسول إلى جوار ربه عند انتهاء الإسلام إلى آخر حدود الجزيرة، وبعث جيش أسامة إلى أطراف الجزيرة، الذي توفي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يتحرك بعد.. وحقيقة إن الرسول قد بعث برسائله إلى خارج الجزيرة يدعو إلى الإسلام، تصديقا لرسالته إلى الناس كافة. ولكن الذي قدره الله له، والذي يتفق مع طبيعة العمر البشري المحدود، أن يبلغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قومه بلسانهم، وأن تتم رسالته إلى البشر كافة عن طريق حملة هذه الرسالة إلى الأصقاع.. وقد كان.. فلا تعارض بين رسالته للناس كافة، ورسالته بلسان قومه، في تقدير الله، وفي واقع الحياة.

وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم .. فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ..

إذ تنتهي مهمة الرسول - كل رسول - عند البيان. أما ما يترتب عليه من هدى ومن ضلال، فلا قدرة له عليه، وليس خاضعا لرغبته، إنما هو من شأن الله. وضع له سنة ارتضتها مشيئته المطلقة. فمن سار على درب الضلال ضل، ومن سار على درب الهدى وصل.. هذا وذلك يتبع مشيئة الله، التي شرعت سنته في الحياة.

وهو العزيز الحكيم ..

القادر على تصريف الناس والحياة، يصرفهم بحكمة وتقدير فليست الأمور متروكة جزافا بلا توجيه ولا تدبير.

وكذلك كانت رسالة موسى . بلسان قومه.

ولقد أرسلنا موسى بآياتنا: أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور، وذكرهم بأيام الله. إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور. وإذ قال موسى لقومه: اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون، يسومونكم سوء العذاب، ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم. وإذ تأذن ربكم: لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد. وقال موسى: إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ..

[ ص: 2088 ] والتعبير يوحد بين صيغة الأمر الصادر لموسى والصادر لمحمد - عليهما صلاة الله وسلامه - تمشيا مع نسق الأداء في السورة - وقد تحدثنا عنه آنفا - فإذا الأمر هناك:

لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ..

والأمر هنا:

أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ..

الأولى للناس كافة والثانية لقوم موسى خاصة، ولكن الغاية واحدة:

أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور .. وذكرهم بأيام الله ..

وكل الأيام أيام الله. ولكن المقصود هنا أن يذكرهم بالأيام التي يبدو فيها للبشر أو لجماعة منهم أمر بارز أو خارق بالنعمة أو بالنقمة; كما سيجيء في حكاية تذكير موسى لقومه. وقد ذكرهم بأيام لهم، وأيام لأقوام نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم. فهذه هي الأيام.

إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ..

ففي هذه الأيام ما هو بؤسى فهو آية للصبر، وفيها ما هو نعمى فهو آية للشكر. والصبار الشكور هو الذي يدرك هذه الآيات، ويدرك ما وراءها، ويجد فيها عبرة له وعظة; كما يجد فيها تسرية وتذكيرا.

وراح موسى يؤدي رسالته، ويذكر قومه:

وإذ قال موسى لقومه: اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ..

إنه يذكرهم بنعمة الله عليهم. نعمة النجاة من سوء العذاب الذي كانوا يلقونه من آل فرعون، يسامونه سوما، أي يوالون به ويتابعون، فلا يفتر عنهم ولا ينقطع. ومن ألوانه البارزة تذبيح الذكور من الأولاد واستحياء الإناث، منعا لتكاثر القوة المانعة فيهم واستبقاء لضعفهم وذلهم. فإنجاء الله لهم من هذه الحال نعمة تذكر. وتذكر لتشكر.

وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ..

بلاء بالعذاب أولا، لامتحان الصبر والتماسك والمقاومة والعزم على الخلاص والعمل له. فليس الصبر هو احتمال الذل والعذاب وكفى. ولكن الصبر هو احتمال العذاب بلا تضعضع ولا هزيمة روحية، واستمرار العزم على الخلاص، والاستعداد للوقوف في وجه الظلم والطغيان. وإلا فما هو صبر مشكور ذلك الاستسلام للذل والهوان.. وبلاء بالنجاة ثانيا لامتحان الشكر، والاعتراف بنعمة الله، والاستقامة على الهدى في مقابل النجاة.

ويمضي موسى في البيان لقومه. بعد ما ذكرهم بأيامه. ووجههم إلى الغاية من العذاب والنجاة. وهي الصبر للعذاب والشكر للنجاة.. يمضي ليبين لهم ما رتبه الله جزاء على الشكر والكفران:

وإذ تأذن ربكم: لئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ..

ونقف نحن أمام هذه الحقيقة الكبيرة: حقيقة زيادة النعمة بالشكر، والعذاب الشديد على الكفر.

نقف نحن أمام هذه الحقيقة تطمئن إليها قلوبنا أول وهلة لأنها وعد من الله صادق. فلا بد أن يتحقق [ ص: 2089 ] على أية حال.. فإذا أردنا أن نرى مصداقها في الحياة، ونبحث عن أسبابه المدركة لنا، فإننا لا نبعد كثيرا في تلمس الأسباب.

إن شكر النعمة دليل على استقامة المقاييس في النفس البشرية. فالخير يشكر لأن الشكر هو جزاؤه الطبيعي في الفطرة المستقيمة..

هذه واحدة.. والأخرى أن النفس التي تشكر الله على نعمته، تراقبه في التصرف بهذه النعمة. بلا بطر، وبلا استعلاء على الخلق، وبلا استخدام للنعمة في الأذى والشر والدنس والفساد.

وهذه وتلك مما يزكي النفس، ويدفعها للعمل الصالح، وللتصرف الصالح في النعمة بما ينميها ويبارك فيها ويرضي الناس عنها وعن صاحبها، فيكونون له عونا; ويصلح روابط المجتمع فتنمو فيه الثروات في أمان. إلى آخر الأسباب الطبيعية الظاهرة لنا في الحياة. وإن كان وعد الله بذاته يكفي لاطمئنان المؤمن، أدرك الأسباب أولم يدركها، فهو حق واقع لأنه وعد الله.

والكفر بنعمة الله قد يكون بعدم شكرها. أو بإنكار أن الله واهبها، ونسبتها إلى العلم والخبرة والكد الشخصي والسعي! كأن هذه الطاقات ليست نعمة من نعم الله! وقد يكون بسوء استخدامها بالبطر والكبر على الناس واستغلالها للشهوات والفساد.. وكله كفر بنعمة الله..

والعذاب الشديد قد يتضمن محق النعمة. عينا بذهابها. أو سحق آثارها في الشعور. فكم من نعمة تكون بذاتها نقمة يشقى بها صاحبها ويحسد الخالين! وقد يكون عذابا مؤجلا إلى أجله في الدنيا أو في الآخرة كما يشاء الله. ولكنه واقع لأن الكفر بنعمة الله لا يمضي بلا جزاء.

ذلك الشكر لا تعود على الله عائدته. وهذا الكفر لا يرجع على الله أثره. فالله غني بذاته محمود بذاته، لا بحمد الناس وشكرهم على عطاياه.

وقال موسى: إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ..

إنما هو صلاح الحياة يتحقق بالشكر، ونفوس الناس تزكو بالاتجاه إلى الله، وتستقيم بشكر الخير، وتطمئن إلى الاتصال بالمنعم، فلا تخشى نفاد النعمة وذهابها، ولا تذهب حسرات وراء ما ينفق أو يضيع منها. فالمنعم موجود، والنعمة بشكره تزكو وتزيد.

ويستمر موسى في بيانه وتذكيره لقومه. ولكنه يتوارى عن المشهد لتبرز المعركة الكبرى بين أمة الأنبياء والجاهليات المكذبة بالرسل والرسالات. وذلك من بدائع الأداء في القرآن، لإحياء المشاهد، ونقلها من حكاية تروى إلى مشهد ينظر ويسمع، وتتحرك فيه الشخوص، وتتجلى فيه السمات والانفعالات..

والآن إلى الساحة الكبرى التي يتلاشى فيها الزمان والمكان:

ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم، قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله؟ جاءتهم رسلهم بالبينات، فردوا أيديهم في أفواههم، وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به، وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ..

هذا التذكير من قول موسى . ولكن السياق منذ الآن يجعل موسى يتوارى ليستمر في عرض قصة الرسل والرسالات في جميع أزمانها. قصة الرسل والرسالات وحقيقتها في مواجهة الجاهلية، وعاقبة المكذبين بها [ ص: 2090 ] على اختلاف الزمان والمكان.. وكأن موسى "راوية" يبدأ بالإشارة الى أحداث الرواية الكبرى. ثم يدع أبطالها يتحدثون بعد ذلك ويتصرفون.. وهي طريقة من طرق العرض للقصة في القرآن، تحول القصة المحكية إلى رواية حية كما أسلفنا. وهنا نشهد الرسل الكرام في موكب الإيمان، يواجهون البشرية متجمعة في جاهليتها. حيث تتوارى الفواصل بين أجيالها وأقوامها. وتبرز الحقائق الكبرى مجردة عن الزمان والمكان، كما هي في حقيقة الوجود خلف حواجز الزمان والمكان:

ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم: قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله؟ ..

فهم كثير إذن، وهناك غير من جاء ذكرهم في القرآن. ما بين ثمود وقوم موسى . والسياق هنا لا يعنى بتفصيل أمرهم، فهناك وحدة في دعوة الرسل ووحدة فيما قوبلت به:

جاءتهم رسلهم بالبينات ..

الواضحات التي لا يلتبس أمرها على الإدراك السليم.

فردوا أيديهم في أفواههم، وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ..

ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل من يريد تمويج الصوت ليسمع عن بعد، بتحريك كفه أمام فمه وهو يرفع صوته ذهابا وإيابا فيتموج الصوت ويسمع. يرسم السياق هذه الحركة التي تدل على جهرهم بالتكذيب والشك، وإفحاشهم في هذا الجهر، وإتيانهم بهذه الحركة الغليظة التي لا أدب فيها ولا ذوق، إمعانا منهم في الجهر بالكفر.

ولما كان الذي يدعوهم إليه رسلهم هو الاعتقاد بألوهية الله وحده، وربوبيته للبشر بلا شريك من عباده.. فإن الشك في هذه الحقيقة الناطقة التي تدركها الفطرة، وتدل عليها آيات الله المبثوثة في ظاهر الكون المتجلية في صفحاته، يبدو مستنكرا قبيحا. وقد استنكر الرسل هذا الشك. والسماوات والأرض شاهدان.

قالت رسلهم: أفي الله شك فاطر السماوات والأرض؟ ..

أفي الله شك والسماوات والأرض تنطقان للفطرة بأن الله أبدعهما إبداعا وأنشأهما إنشاء؟ قالت رسلهم هذا القول، لأن السماوات والأرض آيتان هائلتان بارزتان، فمجرد الإشارة إليهما يكفي، ويرد الشارد إلى الرشد سريعا، ولم يزيدوا على الإشارة شيئا لأنها وحدها تكفي; ثم أخذوا يعددون نعم الله على البشر في دعوتهم إلى الإيمان، وفي إمهالهم إلى أجل يتدبرون فيه ويتقون العذاب:

أفي الله شك فاطر السماوات والأرض. يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم .

والدعوة أصلا دعوة إلى الإيمان، المؤدي إلى المغفرة. ولكن السياق يجعل الدعوة مباشرة للمغفرة، لتتجلى نعمة الله ومنته. وعندئذ يبدو عجيبا أن يدعى قوم إلى المغفرة فيكون هذا تلقيهم للدعوة! يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم .. ويؤخركم إلى أجل مسمى ..

فهو - سبحانه - مع الدعوة للمغفرة لا يعجلكم بالإيمان فور الدعوة، ولا يأخذكم بالعذاب فور التكذيب. إنما يمن عليكم منة أخرى فيؤخركم إلى أجل مسمى. إما في هذه الدنيا وإما إلى يوم الحساب، ترجعون فيه إلى نفوسكم، وتتدبرون آيات الله وبيان رسلكم. وهي رحمة وسماحة تحسبان في باب النعم.. فهل هذا هو جواب دعوة الله الرحيم المنان؟!

[ ص: 2091 ] هنا يرجع القوم في جهالتهم إلى ذلك الاعتراض الجهول:

قالوا: إن أنتم إلا بشر مثلنا، تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا ..

وبدلا من أن يعتز البشر باختيار الله لواحد منهم ليحمل رسالته، فإنهم لجهالتهم ينكرون هذا الاختيار، ويجعلونه مثار ريبة في الرسل المختارين; ويعللون دعوة رسلهم لهم بأنها رغبة في تحويلهم عما كان يعبد آباؤهم. ولا يسألون أنفسهم: لماذا يرغب الرسل في تحويلهم؟! وبطبيعة الجمود العقلي الذي تطبعه الوثنيات في العقول لا يفكرون فيما كان يعبد آباؤهم: ما قيمته؟ ما حقيقته؟ ماذا يساوي في معرض النقد والتفكير؟! وبطبيعة الجمود العقلي كذلك لا يفكرون في الدعوة الجديدة، إنما يطلبون خارقة ترغمهم على التصديق:

فأتونا بسلطان مبين ..

ويرد الرسل.. لا ينكرون بشريتهم بل يقررونها، ولكنهم يوجهون الأنظار إلى منة الله في اختيار رسل من البشر، وفي منحهم ما يؤهلهم لحمل الأمانة الكبرى:

قالت لهم رسلهم: إن نحن إلا بشر مثلكم. ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ..

ويذكر السياق لفظ "يمن" تنسيقا للحوار مع جو السورة. جو الحديث عن نعم الله. ومنها هذه المنة على من يشاء من عباده. وهي منة ضخمة لا على أشخاص الرسل وحدهم. ولكن كذلك على البشرية التي تشرف بانتخاب أفراد منها لهذه المهمة العظمى. مهمة الاتصال والتلقي من الملإ الأعلى. وهي منة على البشرية بتذكير الفطرة التي ران عليها الركام لتخرج من الظلمات إلى النور; ولتتحرك فيها أجهزة الاستقبال والتلقي فتخرج من الموت الراكد إلى الحياة المتفتحة.. ثم هي المنة الكبرى على البشرية بإخراج الناس من الدينونة للعباد إلى الدينونة لله وحده بلا شريك; واستنقاذ كرامتهم وطاقتهم من الذل والتبدد في الدينونة للعبيد.. الذل الذي يحني هامة إنسان لعبد مثله! والتبدد الذي يسخر طاقة إنسان لتأليه عبد مثله!

فأما حكاية الإتيان بسلطان مبين، وقوة خارقة، فالرسل يبينون لقومهم أنها من شأن الله. ليفرقوا في مداركهم المبهمة المظلمة بين ذات الله الإلهية، وذواتهم هم البشرية، وليمحصوا صورة التوحيد المطلق الذي لا يلتبس بمشابهة في ذات ولا صفة، وهي المتاهة التي تاهت فيها الوثنيات كما تاهت فيها التصورات الكنسية في المسيحية عند ما تلبست بالوثنيات الإغريقية والرومانية والمصرية والهندية. وكانت نقطة البدء في المتاهة هي نسبة الخوارق إلى عيسى - عليه السلام - بذاته واللبس بين ألوهية الله وعبودية عيسى عليه السلام!

وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله ..

وما نعتمد على قوة غير قوته:

وعلى الله فليتوكل المؤمنون ..

يطلقها الرسل حقيقة دائمة. فعلى الله وحده يتوكل المؤمن، لا يتلفت قلبه إلى سواه، ولا يرجو عونا إلا منه، ولا يرتكن إلا إلى حماه.

ثم يواجهون الطغيان بالإيمان، ويواجهون الأذى بالثبات; ويسألون للتقرير والتوكيد:

وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا؟ ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون ..

وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ..

إنها كلمة المطمئن إلى موقفه وطريقه. المالئ يديه من وليه وناصره. المؤمن بأن الله الذي يهدي السبيل لا بد [ ص: 2092 ] أن ينصر وأن يعين. وماذا يهم حتى ولو لم يتم في الحياة الدنيا نصر إذا كان العبد قد ضمن هداية السبيل؟

والقلب الذي يحس أن يد الله - سبحانه - تقود خطاه، وتهديه السبيل، هو قلب موصول بالله لا يخطئ الشعور بوجوده - سبحانه - وألوهيته القاهرة المسيطرة; وهو شعور لا مجال معه للتردد في المضي في الطريق، أيا كانت العقبات في الطريق، وأيا كانت قوى الطاغوت التي تتربص في هذا الطريق. ومن ثم هذا الربط في رد الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - بين شعورهم بهداية الله لهم وبين توكلهم عليه في مواجهة التهديد السافر من الطواغيت; ثم إصرارهم على المضي في طريقهم في وجه هذا التهديد.

وهذه الحقيقة - حقيقة الارتباط في قلب المؤمن بين شعوره بهداية الله وبين بديهية التوكل عليه - لا تستشعرها إلا القلوب التي تزاول الحركة فعلا في مواجهة طاغوت الجاهلية والتي تستشعر في أعماقها يد الله - سبحانه - وهي تفتح لها كوى النور فتبصر الآفاق المشرقة وتستروح أنسام الإيمان والمعرفة، وتحس الأنس والقربى.. وحينئذ لا تحفل بما يتوعدها به طواغيت الأرض; ولا تملك أن تستجيب للإغراء ولا للتهديد; وهي تحتقر طواغيت الأرض وما في أيديهم من وسائل البطش والتنكيل. وماذا يخاف القلب الموصول بالله على هذا النحو؟ وماذا يخيفه من أولئك العبيد؟!

وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ..

ولنصبرن على ما آذيتمونا ..

لنصبرن; لا نتزحزح ولا نضعف ولا نتراجع ولا نهن، ولا نتزعزع ولا نشك ولا نفرط ولا نحيد..

وعلى الله فليتوكل المتوكلون ..

وهنا يسفر الطغيان عن وجهه. لا يجادل ولا يناقش ولا يفكر ولا يتعقل، لأنه يحس بهزيمته أمام انتصار العقيدة، فيسفر بالقوة المادية الغليظة التي لا يملك غيرها المتجبرون:

وقال الذين كفروا لرسلهم: لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا !

هنا تتجلى حقيقة المعركة وطبيعتها بين الإسلام والجاهلية.. إن الجاهلية لا ترضى من الإسلام أن يكون له كيان مستقل عنها. ولا تطيق أن يكون له وجود خارج عن وجودها. وهي لا تسالم الإسلام حتى لو سالمها. فالإسلام لا بد أن يبدو في صورة تجمع حركي مستقل بقيادة مستقلة وولاء مستقل، وهذا ما لا تطيقه الجاهلية. لذلك لا يطلب الذين كفروا من رسلهم مجرد أن يكفوا عن دعوتهم; ولكن يطلبون منهم أن يعودوا في ملتهم، وأن يندمجوا في تجمعهم الجاهلي، وأن يذوبوا في مجتمعهم فلا يبقى لهم كيان مستقل. وهذا ما تأباه طبيعة هذا الدين لأهله، وما يرفضه الرسل من ثم ويأبونه، فما ينبغي لمسلم أن يندمج في التجمع الجاهلي مرة أخرى..

وعندما تسفر القوة الغاشمة عن وجهها الصلد لا يبقى مجال لدعوة، ولا يبقى مجال لحجة ولا يسلم الله الرسل إلى الجاهلية..

إن التجمع الجاهلي - بطبيعة تركيبه العضوي - لا يسمح لعنصر مسلم أن يعمل من داخله، إلا أن يكون عمل المسلم وجهده وطاقته لحساب التجمع الجاهلي، ولتوطيد جاهليته! والذين يخيل إليهم أنهم قادرون على العمل لدينهم من خلال التسرب في المجتمع الجاهلي، والتميع في تشكيلاته وأجهزته هم ناس لا يدركون الطبيعة العضوية للمجتمع. هذه الطبيعة التي ترغم كل فرد داخل المجتمع أن يعمل لحساب هذا المجتمع [ ص: 2093 ] ولحساب منهجه وتصوره.. لذلك يرفض الرسل الكرام أن يعودوا في ملة قومهم بعد إذ نجاهم الله منها..

وهنا تتدخل القوة الكبرى فتضرب ضربتها المدمرة القاضية التي لا تقف لها قوة البشر المهازيل، وإن كانوا طغاة متجبرين:

فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين. ولنسكننكم الأرض من بعدهم. ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد .

ولا بد أن ندرك أن تدخل القوة الكبرى للفصل بين الرسل وقومهم إنما يكون دائما بعد مفاصلة الرسل لقومهم.. بعد أن يرفض المسلمون أن يعودوا إلى ملة قومهم بعد إذ نجاهم الله منها.. وبعد أن يصروا على تميزهم بدينهم وبتجمعهم الإسلامي الخاص بقيادته الخاصة. وبعد أن يفاصلواقومهم على أساس العقيدة فينقسم القوم الواحد إلى أمتين مختلفتين عقيدة ومنهجا وقيادة وتجمعا.. عندئذ تتدخل القوة الكبرى لتضرب ضربتها الفاصلة، ولتدمر على الطواغيت الذين يتهددون المؤمنين، ولتمكن للمؤمنين في الأرض، ولتحقق وعد الله لرسله بالنصر والتمكين ... ولا يكون هذا التدخل أبدا والمسلمون متميعون في المجتمع الجاهلي، عاملون من خلال أوضاعه وتشكيلاته، غير منفصلين عنه ولا متميزين بتجمع حركي مستقل وقيادة إسلامية مستقلة..

فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ..

نون العظمة ونون التوكيد.. كلتاهما ذات ظل وإيقاع في هذا الموقف الشديد. لنهلكن المتجبرين المهددين، المشركين الظالمين لأنفسهم وللحق وللرسل وللناس بهذا التهديد..

ولنسكننكم الأرض من بعدهم ..

لا محاباة ولا جزافا، إنما هي السنة الجارية العادلة:

ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ..

ذلك الإسكان والاستخلاف لمن خاف مقامي، فلم يتطاول ولم يتعال ولم يستكبر ولم يتجبر. وخاف وعيد، فحسب حسابه، واتقى أسبابه، فلم يفسد في الأرض، ولم يظلم في الناس. فهو من ثم يستحق الاستخلاف، ويناله باستحقاق.

وهكذا تلتقي القوة الصغيرة الهزيلة - قوة الطغاة الظالمين - بالقوة الجبارة الطامة - قوة الجبار المهيمن المتكبر - فقد انتهت مهمة الرسل عند البلاغ المبين والمفاصلة التي تميز المؤمنين من المكذبين.

ووقف الطغاة المتجبرون بقوتهم الهزيلة الضئيلة في صف، ووقف الرسل الداعون المتواضعون ومعهم قوة الله - سبحانه - في صف. ودعا كلاهما بالنصر والفتح.. وكانت العاقبة كما يجب أن تكون:

واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد. من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد. يتجرعه ولا يكاد يسيغه، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت، ومن ورائه عذاب غليظ ..

والمشهد هنا عجيب. إنه مشهد الخيبة لكل جبار عنيد. مشهد الخيبة في هذه الأرض. ولكنه يقف هذا الموقف، ومن ورائه تخايل جهنم وصورته فيها، وهو يسقى من الصديد السائل من الجسوم. يسقاه بعنف فيتجرعه غصبا وكرها، ولا يكاد يسيغه، لقذارته ومرارته، والتقزز والتكره باديان نكاد نلمحهما من خلال الكلمات! ويأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان، ولكنه لا يموت، ليستكمل عذابه. ومن ورائه عذاب غليظ..

[ ص: 2094 ] إنه مشهد عجيب، يرسم الجبار الخائب المهزوم ووراءه مصيره يخايل له على هذا النحو المروع الفظيع. وتشترك كلمة "غليظ" في تفظيع المشهد، تنسيقا له مع القوة الغاشمة التي كانوا يهددون بها دعاة الحق والخير والصلاح واليقين.

التالي السابق


الخدمات العلمية