صفحة جزء
وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا. وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين، وكفى بربك هاديا ونصيرا. وقال الذين كفروا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة. كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا. ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا. الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا ..

لقد هجروا القرآن الذي نزله الله على عبده لينذرهم، ويبصرهم. هجروه فلم يفتحوا له أسماعهم إذ كانوا يتقون أن يجتذبهم فلا يملكون لقلوبهم عنه ردا. وهجروه فلم يتدبروه ليدركوا الحق من خلاله، ويجدوا الهدي على نوره. وهجروه فلم يجعلوه دستور حياتهم، وقد جاء ليكون منهاج حياة يقودها إلى أقوم طريق:

وقال الرسول: يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ..

وإن ربه ليعلم; ولكنه دعاء البث والإنابة، يشهد به ربه على أنه لم يأل جهدا، ولكن قومه لم يستمعوا لهذا القرآن ولم يتدبروه.

فيسليه ربه ويعزيه، فتلك هي السنة الجارية قبله في جميع الرسالات، فلكل نبي أعداء يهجرون الهدى الذي يجيئهم به، ويصدون عن سبيل الله، ولكن الله يهدي رسله إلى طريق النصر على أعدائهم المجرمين:

وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين. وكفى بربك هاديا ونصيرا ..

ولله الحكمة البالغة، فإن بروز المجرمين لحرب الأنبياء والدعوات يقوي عودها; ويطبعها بطابع الجد الذي يناسب طبيعتها، وكفاح أصحاب الدعوات للمجرمين الذين يتصدون لها - مهما كلفهم من مشقة وكلف الدعوات من تعويق - هو الذي يميز الدعوات الحقة من الدعاوى الزائفة; وهو الذي يمحص القائمين عليها، ويطرد الزائفين منهم; فلا يبقي بجوارها إلا العناصر المؤمنة القوية المتجردة، التي لا تبتغي مغانم قريبة، ولا تريد إلا الدعوة خالصة، تبتغي بها وجه الله تعالى.

ولو كانت الدعوات سهلة ميسورة، تسلك طرقا ممهدة مفروشة بالأزهار، ولا يبرز لها في الطريق خصوم ومعارضون، ولا يتعرض لها المكذبون والمعاندون، لسهل على كل إنسان أن يكون صاحب دعوة، ولاختلطت دعوات الحق ودعاوى الباطل، ووقعت البلبلة والفتنة، ولكن بروز الخصوم والأعداء للدعوات، هو الذي يجعل الكفاح لانتصارها حتما مقضيا، ويجعل الآلام والتضحيات لها وقودا، فلا يكافح ويناضل، ويحتمل الآلام والتضحيات إلا أصحاب دعوة الحق الجادون المؤمنون، الذين يؤثرن دعوتهم على الراحة والمتاع، وأعراض الحياة الدنيا، بل على الحياة نفسها حين تقتضيهم دعوتهم أن يستشهدوا في سبيلها، ولا يثبت على الكفاح المرير إلا أصلبهم عودا، وأشدهم إيمانا، وأكثرهم تطلعا إلى ما عند الله واستهانة بما عند الناس..عندئذ تتميز دعوة الحق من دعاوى الباطل، وعندئذ تمحص الصفوف فيتميز الأقوياء من الضعفاء، وعندئذ تمضي دعوة الحق في طريقها برجالها الذين ثبتوا عليها، واجتازوا امتحانها وبلاءها، أولئك هم الأمناء عليها الذين يحتملون تكاليف النصر وتبعاته، وقد نالوا هذا النصر بثمنه الغالي، وأدوا ضريبته صادقين مؤثرين. [ ص: 2562 ] وقد علمتهم التجارب والابتلاءات كيف يسيرون بدعوتهم بين الأشواك والصخور، وقد حفزت الشدائد والمخاوف كل طاقاتهم ومقدراتهم، فنما رصيدهم من القوة وذخيرتهم من المعرفة، فيكون هذا كله رصيدا للدعوة التي يحملون رايتها على السراء والضراء.

والذي يقع غالبا أن كثرة الناس تقف متفرجة على الصراع بين المجرمين وأصحاب الدعوات; حتى إذا تضخم رصيد التضحيات والآلام في صف أصحاب الدعوات، وهم ثابتون على دعوتهم، ماضون في طريقهم، قالت الكثرة المتفرجة أو شعرت أنه لا يمسك أصحاب الدعوة على دعوتهم على الرغم من التضحيات والآلام، إلا أن في هذه الدعوة ما هو أغلى مما يضحون به وأثمن.. وعندئذ تتقدم الكثرة المتفرجة لترى ما هو هذا العنصر الغالي الثمين الذي يرجح كل أعراض الحياة، ويرجح الحياة ذاتها عند أصحاب الدعوة، وعندئذ يدخل المتفرجون أفواجا في هذه العقيدة بعد طول التفرج بالصراع!

من أجل هذا كله جعل الله لكل نبي عدوا من المجرمين وجعل المجرمين يقفون في وجه دعوة الحق، وحملة الدعوة يكافحون المجرمين، فيصيبهم ما يصيبهم وهم ماضون في الطريق، والنهاية مقدرة من قبل، ومعروفة لا يخطئها الواثقون بالله، إنها الهداية إلى الحق، والانتهاء إلى النصر: وكفى بربك هاديا ونصيرا .

وبروز المجرمين في طريق الأنبياء أمر طبيعي؛ فدعوة الحق إنما تجيء في أوانها لعلاج فساد واقع في الجماعة أو في البشرية، فساد في القلوب، وفساد في النظم، وفساد في الأوضاع، ووراء هذا الفساد يكمن المجرمون، الذين ينشئون الفساد من ناحية، ويستغلونه من ناحية، والذين تتفق مشاربهم مع هذا الفساد، وتتنفس شهواتهم في جوه الوبيء، الذين يجدون فيه سندا للقيم الزائفة التي يستندون هم في وجودهم إليها، فطبيعي إذن أن يبرزوا للأنبياء وللدعوات دفاعا عن وجودهم، واستبقاء للجو الذي يملكون أن يتنفسوا فيه، وبعض الحشرات يختنق برائحة الأزهار العبقة، ولا يستطيع الحياة إلا في المقاذر، وبعض الديدان يموت في الماء الطاهر الجاري، ولا يستطيع الحياة إلا في المستنقع الآسن. وكذلك المجرمون؛ فطبيعي إذن أن يكونوا أعداء لدعوة الحق، يستميتون في كفاحها، وطبيعي أن تنتصر دعوة الحق في النهاية، لأنها تسير مع خط الحياة، وتتجه إلى الأفق الكريم الوضيء الذي تتصل فيه بالله، والذي تبلغ عنده الكمال المقدر لها كما أراد الله.. وكفى بربك هاديا ونصيرا ..

ثم يمضي في استعراض مقولات المجرمين الذين يقفون في وجه دعوة القرآن، والرد عليها:

وقال الذين كفروا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة. كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ..

ولقد جاء هذا القرآن ليربي أمة، وينشئ مجتمعا، ويقيم نظاما، والتربية تحتاج إلى زمن وإلى تأثر وانفعال بالكلمة، وإلى حركة تترجم التأثر والانفعال إلى واقع.والنفس البشرية لا تتحول تحولا كاملا شاملا بين يوم وليلة بقراءة كتاب كامل شامل للمنهج الجديد. إنما تتأثر يوما بعد يوم بطرف من هذا المنهج; وتتدرج في مراقيه رويدا رويدا، وتعتاد على حمل تكاليفه شيئا فشيئا، فلا تجفل منه كما تجفل لو قدم لها ضخما ثقيلا عسيرا؛ وهي تنمو في كل يوم بالوجبة المغذية فتصبح في اليوم التالي أكثر استعدادا للانتفاع بالوجبة التالية، وأشد قابلية لها والتذاذا بها.

ولقد جاء القرآن بمنهاج كامل شامل للحياة كلها؛ وجاء في الوقت ذاته بمنهاج للتربية يوافق الفطرة البشرية عن علم بها من خالقها، فجاء لذلك منجما وفق الحاجات الحية للجماعة المسلمة، وهي في طريق نشأتها ونموها، ووفق استعدادها الذي ينمو يوما بعد يوم في ظل المنهج التربوي الإلهي الدقيق. جاء ليكون منهج [ ص: 2563 ] تربية ومنهاج حياة لا ليكون كتاب ثقافة يقرأ لمجرد اللذة أو لمجرد المعرفة، جاء لينفذ حرفا حرفا وكلمة كلمة، وتكليفا تكليفا؛ جاء لتكون آياته هي، الأوامر اليومية، التي يتلقاها المسلمون في حينها ليعملوا بها فور تلقيها، كما يتلقى الجندي في ثكنته أو في الميدان؛ الأمر اليومي، مع التأثر والفهم والرغبة في التنفيذ; ومع الانطباع والتكليف وفق ما يتلقاه..

من أجل هذا كله نزل القرآن مفصلا، يبين أول ما يبين عن منهجه لقلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويثبته على طريقه ويتتابع على مراحل الطريق رتلا بعد رتل، وجزءا بعد جزء:

كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ..

والترتيل هنا هو التتابع والتوالي وفق حكمة الله وعلمه بحاجات تلك القلوب واستعدادها للتلقي..

ولقد حقق القرآن بمنهجه ذاك خوارق في تكييف تلك النفوس التي تلقته مرتلا متتابعا، وتأثرت به يوما يوما، وانطبعت به أثرا أثرا؛ فلما غفل المسلمون عن هذا المنهج، واتخذوا القرآن كتاب متاع للثقافة، وكتاب تعبد للتلاوة فحسب، لا منهج تربية للانطباع والتكيف ومنهج حياة للعمل والتنفيذ، لم ينتفعوا من القرآن بشيء، لأنهم خرجوا عن منهجه الذي رسمه العليم الخبير..

التالي السابق


الخدمات العلمية