صفحة جزء
[ ص: 2609 ] كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (124) إني لكم رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (127) أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا الله وأطيعون (131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعام وبنين (133) وجنات وعيون (134) إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (136) إن هذا إلا خلق الأولين (137) وما نحن بمعذبين (138) فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (139) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (140)

وقوم هود كانوا يسكنون الأحقاف، وهي جبال رملية قرب حضرموت من ناحية اليمن، وقد جاءوا بعد قوم نوح، وكانوا ممن زاغت قلوبهم بعد فترة من الطوفان الذي طهر وجه الأرض من العصاة.

وقد وردت هذه القصة في الأعراف مفصلة وفي هود، كما وردت في سورة "المؤمنون" بدون ذكر اسم هود وعاد، وهي تعرض هنا مختصرة بين طرفيها: طرف دعوة هود لقومه، وطرف العاقبة التي انتهى إليها المكذبون منهم، وتبدأ كما بدأت قصة قوم نوح :

كذبت عاد المرسلين. إذ قال لهم أخوهم هود : ألا تتقون؟ إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر، إن أجري إلا على رب العالمين ..

فهي الكلمة الواحدة يقولها كل رسول: دعوة إلى تقوى الله وطاعة رسوله، وإعلان للزهد فيما لدى القوم من عرض الحياة، وترفع عن قيم الأرض الزائلة، وتطلع إلى ما عند الله من أجر كريم.

ثم يزيد ما هو خاص بحال القوم وتصرفاتهم، فينكر عليهم الترف في البنيان لمجرد التباهي بالمقدرة، والإعلان عن الثراء، والتكاثر والاستطالة في البناء; كما ينكر غرورهم بما يقدرون عليه من أمر هذه الدنيا، وما يسخرونه فيها من القوى، وغفلتهم عن تقوى الله ورقابته:

أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون؟ ..

والريع: المرتفع من الأرض؛ والظاهر أنهم كانوا يبنون فوق المرتفعات بنيانا يبدو للناظر من بعد كأنه علامة، وأن القصد من ذلك كان هو التفاخر والتطاول بالمقدرة والمهارة، ومن ثم سماه عبثا، ولو كان لهداية المارة، ومعرفة الاتجاه ما قال لهم: "تعبثون". فهو توجيه إلى أن ينفق الجهد، وتنفق البراعة، وينفق المال فيما هو ضروري ونافع، لا في الترف والزينة ومجرد إظهار البراعة والمهارة.

ويبدو كذلك من قوله: وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون أن عادا كانت قد بلغت من الحضارة الصناعية مبلغا يذكر; حتى لتتخذ المصانع لنحت الجبال وبناء القصور، وتشييد العلامات على المرتفعات; وحتى ليجول [ ص: 2610 ] في خاطر القوم أن هذه المصانع وما ينشؤونه بوساطتها من البنيان كافية لحمايتهم من الموت، ووقايتهم من مؤثرات الجور ومن غارات الأعداء.

ويمضي هود في استنكار ما عليه قومه:

وإذا بطشتم بطشتم جبارين ..

فهم عتاة غلاظ، يتجبرون حين يبطشون; ولا يتحرجون من القسوة في البطش، شأن المتجبرين المعتزين بالقوة المادية التي يملكون.

وهنا يردهم إلى تقوى الله وطاعة رسوله، لينهنه من هذه الغلظة الباطشة المتجبرة :

فاتقوا الله وأطيعون .

ويذكرهم نعمة الله عليهم بما يستمتعون به ويتطاولون ويتجبرون، وكان الأجدر بهم أن يتذكروا فيشكروا، ويخشوا أن يسلبهم ما أعطاهم، وأن يعاقبهم على ما أسرفوا في العبث والبطش والبطر الذميم!

واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون. أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون. إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ..

وهكذا يذكرهم بالمنعم والنعمة على وجه الإجمال أولا: أمدكم بما تعلمون . وهو حاضر بين أيديهم، يعلمونه ويعرفونه ويعيشون فيه، ثم يفصل بعض التفصيل: أمدكم بأنعام وبنين، وجنات وعيون وهي النعم المعهودة في ذلك العهد; وهي نعمة في كل عهد، ثم يخوفهم عذاب يوم عظيم، في صورة الإشفاق عليهم من ذلك العذاب، فهو أخوهم، وهو واحد منهم، وهو حريص ألا يحل بهم عذاب ذلك اليوم الذي لا شك فيه.

ولكن هذه التذكرة وهذا التخويف، لا يصلان إلى تلك القلوب الجاسية الفظة الغليظة، فإذا الإصرار والعناد والاستهتار.

قالوا : سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين ..

فما يعنينا أن تعظ أو ألا تكون أصلا من الواعظين! وهو تعبير فيه استهانة واستهتار وجفوة، يتبعهما يشي بالجمود والتحجر والاعتماد على التقليد!

إن هذا إلا خلق الأولين.. وما نحن بمعذبين ..

فحجتهم فيما هم عليه، وفيما يستنكره عليهم هود، أنه خلق الأولين ونهجهم، وهم يسيرون على نهج الأولين! ثم إنهم لينفون احتمال العذاب على خلق الأولين! وما نحن بمعذبين !

ولا يستطرد السياق هنا في تفصيل ما ثار بينهم وبين رسولهم من جدل; فيمضي قدما إلى النهاية:

فكذبوه فأهلكناهم ..

وفي كلمتين اثنتين ينتهي الأمر; ويطوى قوم عاد الجبارون; وتطوى مصانعهم التي يتخذون; ويطوى ما كانوا فيه من نعيم، من أنعام وبنين وجنات وعيون!

وكم من أمة بعد عاد ظلت تفكر على هذا النحو، وتغتر هذا الغرور، وتبعد عن الله كلما تقدمت في الحضارة; وتحسب أن الإنسان قد أصبح في غنية عن الله! وهي تنتج من أسباب الدمار لغيرها، والوقاية لنفسها، ما تحسبه واقيا لها من أعدائها؛ ثم تصبح وتمسي فإذا العذاب يصب عليها من فوقها ومن تحتها، عن أي طريق.

إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم ..

التالي السابق


الخدمات العلمية