صفحة جزء
[ ص: 2611 ] كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون (142) إني لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (145) أتتركون في ما ها هنا آمنين (146) في جنات وعيون (147) وزروع ونخل طلعها هضيم (148) وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (152) قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين (154) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها فأصبحوا نادمين (157) فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (159)

إنها ذات الدعوة بألفاظها يدعوها كل رسول؛ ويوحد القرآن عن قصد حكاية العبارة التي يلقيها كل رسول على قومه للدلالة على وحدة الرسالة جوهرا ومنهجا، في أصلها الواحد الذي تقوم عليه، وهو الإيمان بالله وتقواه، وطاعة الرسول الآتي من عند الله.

ثم يزيد ما هو من شأن ثمود خاصة وما تقتضيه طبيعة الموقف وطبيعة الظروف، إذ يذكرهم أخوهم صالح بما هم فيه من نعمة - (وقد كانوا يسكنون بالحجر بين الشام والحجاز، وقد مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بدورهم المدمرة مع صحابته في غزوة تبوك) - ويخوفهم سلب هذه النعمة، كما يخوفهم ما بعد المتاع من حساب على ما كان من تصرفهم فيه :

أتتركون في ما ها هنا آمنين. في جنات وعيون. وزروع ونخل طلعها هضيم. وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين؟ .

وإنهم ليعيشون بين هذا المتاع الذي يصوره لهم أخوهم صالح؛ ولكنهم يعيشون فيغفلة عنه لا يفكرون فيمن وهبهم إياه; ولا يتدبرون منشأه ومأتاه، ولا يشكرون المنعم الذي أعطاهم هذا النعيم، فيأخذ رسولهم في تصوير هذا المتاع لهم ليتدبروه ويعرفوا قيمته، ويخافوا زواله.

وفيما قاله لهم لمسات توقظ القلوب الغافية، وتنبه فيها الحرص والخوف: أتتركون في ما ها هنا آمنين؟ أتظنون أنكم متروكون لهذا الذي أنتم فيه من دعة ورخاء ومتعة ونعمة؛ وسائر ما يتضمنه هذا الإجمال من تفخيم وتضخيم؛ أتتركون في هذا كله آمنين لا يروعكم فوت، ولا يزعجكم سلب، ولا يفزعكم تغيير؟

أتتركون في هذا كله من جنات وعيون، وزروع متنوعات، ونخل جيدة الطلع، سهلة الهضم حتى كأن جناها مهضوم لا يحتاج إلى جهد في البطون! وتتركون في البيوت تنحتونها في الصخور بمهارة وبراعة، وفي أناقة وفراهة؟

[ ص: 2612 ] وبعد أن يلمس قلوبهم هذه اللمسات الموقظة يناديهم إلى التقوى، وإلى الطاعة، وإلى مخالفة الملإ الجائرين البعيدين عن الحق والقصد، الميالين إلى الفساد والشر.

فاتقوا الله وأطيعون. ولا تطيعوا أمر المسرفين. الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ..

ولكن هذه اللمسات وهذه النداءات لا تصل إلى تلك القلوب الجاسية الجافية، فلا تصغي لها ولا تلين :

قالوا : إنما أنت من المسحرين. ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين ..

إنما أنت ممن سحرت عقولهم فهم يهرفون بما لا يعرفون! كأنما الدعوة إلى الله لا يدعوها إلا مجنون!

ما أنت إلا بشر مثلنا .. وتلك هي الشبهة التي ظلت تخايل للبشرية كلما جاءها رسول، فقد كان تصور البشرية القاصر للرسول عجيبا دائما; وما كانت تدرك حكمة الله في أن يكون الرسول بشرا، وما كانت تدرك كذلك تكريم هذا الجنس البشري باختيار الرسل منه ليكونوا رواد البشرية المتصلين بمصدر الهدى والنور.

وكانت البشرية تتصور الرسول خلقا آخر غير البشر؛ أو هكذا ينبغي أن يكون; ما دام يأتي إليها بخبر السماء وخبر الغيب، وخبر العالم المحجوب عن البشر، ذلك أنها ما كانت تدرك سر هذا الإنسان الذي كرمه الله به، وهو أنه موهوب القدرة على الاتصال بالملإ الأعلى وهو على هذه الأرض مقيم؛ يأكل وينام ويتزوج ويمشي في الأسواق، ويعالج ما يعالجه سائر البشر من المشاعر والنوازع، وهو متصل بذلك السر العظيم.

وكانت البشرية جيلا بعد جيل تطلب خارقة معجزة من الرسول تدل على أنه حقا مرسل من الله : فأت بآية إن كنت من الصادقين .. وهكذا طلبت ثمود تلك الخارقة، فاستجاب الله لعبده صالح، وأعطاه هذه الخارقة في صورة ناقة; لا نخوض في وصفها كما خاض المفسرون القدامى، لأنه ليس لدينا سند صحيح نعتمد عليه في هذا الوصف، فنكتفي بأنها كانت خارقة كما طلبت ثمود.

قال : هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم. ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم ..

لقد جاءهم بالناقة، على شرط أن يكون الماء الذي يستقون منه يوما للناقة ويوما لهم، لا يجورون عليها في يومها، ولا تجور عليهم في يومهم، ولا يختلط شرابها بشرابهم، كما لا يختلط يومها بيومهم، ولقد حذرهم أن ينالوها بسوء عل الإطلاق، وإلا أخذهم عذاب يوم عظيم.

فماذا فعلت الآية الخارقة بالقوم المتعنتين؟ إنها لم تسكب الإيمان في القلوب الجافة; ولم تطلع النور في الأرواح المظلمة؛ على الرغم من قهرها لهم وتحديهم بها، وإنهم لم يحفظوا عهدهم، ولم يوفوا بشرطهم :

فعقروها فأصبحوا نادمين .

والعقر: النحر. والذين عقروها منهم هم الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، ولقد حذرهم منهم صالح وأنذرهم فلم يخشوا النذير، ومن ثم كتبت خطيئتها على الجميع، وكان الجميع مؤاخذين بهذا الإثم العظيم.

ولقد ندم القوم على الفعلة، ولكن بعد فوات الأوان وتصديق النذير :

فأخذهم العذاب .. ولا يفصل نوعه هنا للمسارعة والتعجيل! ثم يجيء التعقيب : إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم ..

التالي السابق


الخدمات العلمية