صفحة جزء
ثم نودي موسى بالنداء العلوي المطمئن; وأعلن له عن طبيعة التكليف الذي سيلقاه:

يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون ..

لا تخف؛ فأنت مكلف بالرسالة، والرسل لا يخافون في حضرة ربهم وهم يتلقون التكليف.

[ ص: 2630 ] إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء. فإني غفور رحيم ..

إنما يخاف الذين ظلموا، ذلك إلا أن يبدلوا حسنا بعد سوء، ويدعوا الظلم إلى العدل; ويدعوا الشرك إلى الإيمان، ويدعوا الشر إلى الخير، فإن رحمتي واسعة وغفراني عظيم.

والآن وقد اطمأن موسى وقر، يجهزه ربه بالمعجزة الثانية، قبل أن يكشف له عن جهة الرسالة ووجهة التكليف:

وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ..

وكان هذا، وأدخل موسى يده في فتحة ثوبه - وهي جيبه - فخرجت بيضاء مشرقة لا عن مرض،ولكن عن معجزة؛ ووعده ربه أن يؤيده بتسع آيات من هذا النوع الذي شاهد منه اثنتين وكشف له حينئذ عن وجهته التي من أجلها دعاه وجهزه ورعاه! في تسع آيات إلى فرعون وقومه. إنهم كانوا قوما فاسقين ..

ولم يعدد هنا بقية هذه الآيات التسع، التي كشف عنها في سورة الأعراف، وهي سنوات الجدب، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، لأن التركيز هنا على قوة الآيات لا على ماهيتها، وعلى وضوحها وجحود القوم لها:

فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا : هذا سحر مبين. وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا. فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ..

هذه الآيات الكثيرة العدد، الكاشفة عن الحق، حتى ليبصره كل من له عينان، ويصف هذه الآيات نفسها بأنها مبصرة، فهي تبصر الناس وتقودهم إلى الهدى، ومع هذا فقد قالوا عنها: إنها سحر مبين! قالوا ذلك لا عن اقتناع به، ولا عن شبهة فيه، إنما قالوه "ظلما وعلوا" وقد استيقنت نفوسهم أنها الحق الذي لا شبهة فيه: واستيقنتها أنفسهم . قالوا جحودا ومكابرة، لأنهم لا يريدون الإيمان، ولا يطلبون البرهان، استعلاء على الحق وظلما له ولأنفسهم بهذا الاستعلاء الذميم،

وكذلك كان كبراء قريش يستقبلون القرآن، ويستيقنون أنه الحق، ولكنهم يجحدونه، ويجحدون دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهم إلى الله الواحد، ذلك أنهم كانوا يريدون الإبقاء على ديانتهم وعقائدهم، لما وراءها من أوضاع تسندهم، ومغانم تتوافد عليهم؛ وهي تقوم على تلك العقائد الباطلة، التي يحسون خطر الدعوة الإسلامية عليها، ويحسونها تتزلزل تحت أقدامهم، وترتج في ضمائرهم، ومطارق الحق المبين تدمغ الباطل الواهي المريب!

وكذلك الحق لا يجحده الجاحدون لأنهم لا يعرفونه؛ بل لأنهم يعرفونه! يجحدونه وقد استيقنته نفوسهم، لأنهم يحسون الخطر فيه على وجودهم، أو الخطر على أوضاعهم، أو الخطر على مصالحهم ومغانمهم، فيقفون في وجهه مكابرين، وهو واضح مبين.

فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ..

وعاقبة فرعون وقومه معروفة، كشف عنها القرآن في مواضع أخرى؛ إنما يشير إليها هنا هذه الإشارة، لعلها توقظ الغافلين من الجاحدين بالحق المكابرين فيه، إلى عاقبة فرعون وقومه قبل أن يأخذهم ما أخذ المفسدين.

التالي السابق


الخدمات العلمية