صفحة جزء
وبعد هذه الإشارة يأخذ السياق المكذبين في جولة مع مصارع الغابرين:

أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم؟ إن في ذلك لآيات. أفلا يسمعون ؟.

[ ص: 2815 ] ومصارع الغابرين من القرون تنطق بسنة الله في المكذبين، وسنة الله ماضية لا تتخلف ولا تحابي. وهذه البشرية تخضع لقوانين ثابتة في نشوئها ودثورها، وضعفها وقوتها. والقرآن الكريم ينبه إلى ثبات هذه القوانين، واطراد تلك السنن، ويتخذ من مصارع القرون، وآثار الماضين، الدارسة الخربة، أو الباقية بعد سكانها موحشة. يتخذ منها معارض للعبرة، وإيقاظ القلوب، وإثارة الحساسية، والخوف من بطش الله وأخذه للجبارين. كما يتخذ منها معارض لثبات السنن والنواميس. ويرفع بهذامدارك البشر ومقاييسهم، فلا ينعزل شعب أو جيل في حدود الزمان والمكان; وينسى النظام الثابت في حياة البشر، المطرد على توالي القرون. وإن كان الكثيرون ينسون العبرة حتى يلاقوا نفس المصير!

وإن للآثار الخاوية لحديثا رهيبا عميقا، للقلب الشاعر، والحس المبصر، وإن له لرجفة في الأوصال، ورعشة في الضمائر، وهزة في القلوب. ولقد كان العرب المخاطبون بهذه الآية ابتداء يمشون في مساكن عاد وثمود ويرون الآثار الباقية من قرى قوم لوط. والقرآن يستنكر أن تكون مصارع هذه القرون معروضة لهم; وأن تكن مساكن القوم أمامهم، يمرون عليها ويمشون فيها; ثم لا يستجيش هذا قلوبهم، ولا يهز مشاعرهم، ولا يستثير حساسيتهم بخشية الله، وتوقي مثل هذا المصير; ولا يهدي لهم ويبصرهم بالتصرف المنجي من استحقاق كلمة الله بالأخذ والتدمير:

إن في ذلك لآيات. أفلا يسمعون؟ ..

يسمعون قصص الغابرين الذين يمشون في مساكنهم، أو يسمعون هذا التحذير، قبل أن يصدق بهم النذير، ويأخذهم النكير!

وبعد لمسة البلى والدثور، وما توقعه في الحس من رهبة وروعة، وما تثيره في القلب من رجفة ورعشة. يلمس قلوبهم بريشة الحياة النابضة في الموات; ويجول بهم جولة في الأرض الميتة تدب فيها الحياة، كما جال بهم من قبل في الأرض التي كانت حية فأدركها البلى والممات:

أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز، فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون؟ .

فهذه الأرض الميتة البور، يرون أن يد الله تسوق إليها الماء المحيي; فإذا هي خضراء ممرعة بالزرع النابض بالحياة. الزرع الذي تأكل منه أنعامهم وتأكل منه أنفسهم. وإن مشهد الأرض الجدبة والحيا يصيبها فإذا هي خضراء.. إن هذا المشهد ليفتح نوافذ القلب المغلقة لاستجلاء هذه الحياة النامية واستقبالها; والشعور بحلاوة الحياة ونداوتها; والإحساس بواهب هذه الحياة الجميلة الناضرة; إحساس حب وقربى وانعطاف; مع الشعور بالقدرة المبدعة واليد الصناع، التي تشيع الحياة والجمال في صفحات الوجود.

وهكذا يطوف القرآن بالقلب البشري في مجالي الحياة والنماء، بعد ما طوف به في مجالي البلى والدثور، لاستجاشة مشاعره هنا وهناك، وإيقاظه من بلادة الألفة، وهمود العادة; ولرفع الحواجز بينه وبين مشاهد الوجود، وأسرار الحياة، وعبر الأحداث، وشواهد التاريخ.

وفي النهاية يجيء المقطع الأخير في السورة بعد هذا المطاف الطويل. فيحكي استعجالهم بالعذاب الذي يوعدون; وشكهم في صدق الإنذار والتحذير. ويرد عليهم مخوفا محذرا من تحقيق ما يستعجلون به، يوم لا ينفعهم إيمان، ولا يمهلون لإصلاح ما فات. ويختم السورة بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 2816 ] إلى الإعراض عنهم، وتركهم لمصيرهم المحتوم:

ويقولون: متى هذا الفتح إن كنتم صادقين. قل: يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون. فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون ..

والفتح هو الفصل فيما بين الفريقين من خلاف; وتحقق الوعيد الذي كان يخدعهم أنه لا يجيئهم من قريب; وهم غافلون عن حكمة الله في تأخيره إلى أجله الذي قدره، والذي لا يقدمه استعجالهم ولا يؤخره.

وما هم بقادرين على دفعه ولا الإفلات منه.

قل: يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون ..

سواء كان هذا اليوم في الدنيا. إذ يأخذهم الله وهم كافرون، فلا يمهلهم بعده، ولا ينفعهم إيمانهم فيه.

أو كان هذا اليوم في الآخرة إذ يطلبون المهلة فلا يمهلون:

وهذا الرد يخلخل المفاصل، ويزعزع القلوب.. ثم يعقبه الإيقاع الأخير في السورة:

فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون ..

وفي طياته تهديد خفي بعاقبة الانتظار، بعد أن ينفض الرسول - صلى الله عليه وسلم - يده من أمرهم، ويدعهم لمصيرهم المحتوم.

وتختم السورة على هذا الإيقاع العميق، بعد تلك الجولات والإيحاءات والمشاهد والمؤثرات، وخطاب القلب البشري بشتى الإيقاعات التي تأخذ من كل جانب، وتأخذ عليه كل طريق..

التالي السابق


الخدمات العلمية