صفحة جزء
باب البيع

قوله - عز وجل -: وأحل الله البيع ؛ عموم في إباحة سائر البياعات; لأن لفظ البيع موضوع لمعنى معقول في اللغة؛ وهو تمليك المال بمال؛ بإيجاب؛ وقبول؛ عن تراض منهما؛ وهذا هو حقيقة البيع في مفهوم اللسان؛ ثم منه جائز؛ ومنه فاسد؛ إلا أن ذلك غير مانع من اعتبار عموم اللفظ؛ متى اختلفنا في جواز بيع؛ أو فساده؛ ولا خلاف بين أهل العلم على أن هذه الآية؛ وإن كان مخرجها مخرج العموم فقد أريد به الخصوص; لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات؛ نحو بيع ما لم يقبض ؛ وبيع ما ليس عند الإنسان ؛ وبيع الغرر؛ والمجاهيل ؛ وعقد البيع على المحرمات من الأشياء ؛ وقد كان لفظ الآية يوجب جواز هذه البياعات؛ وإنما خصت منها بدلائل؛ إلا أن تخصيصها غير مانع اعتبار عموم لفظ الآية فيما لم تقم الدلالة على تخصيصه؛ وجائز أن يستدل بعمومه على جواز البيع الموقوف ; لقوله (تعالى): وأحل الله البيع ؛ والبيع اسم للإيجاب؛ والقبول؛ وليست حقيقته وقوع الملك به للعاقد؛ ألا ترى أن البيع المعقود على شرط خيار المتبايعين لم يوجب ملكا؟ وهو بيع؛ والوكيلان يتعاقدان البيع؛ ولا يملكان.

وقوله (تعالى): وحرم الربا ؛ حكمه ما قدمناه من الإجمال؛ والوقف على ورود البيان؛ فمن الربا ما هو بيع؛ ومنه ما ليس ببيع؛ وهو ربا أهل الجاهلية ؛ وهو القرض المشروط فيه الأجل؛ وزيادة مال على المستقرض؛ وفي سياق الآية ما أوجب تخصيص ما هو ربا من البياعات؛ من عموم قوله (تعالى): وأحل الله البيع ؛ وظن الشافعي أن لفظ الربا لما كان مجملا أنه يوجب إجمال لفظ البيع؛ وليس كذلك عندنا; لأن ما لا يسمى ربا من البياعات فحكم [ ص: 190 ] العموم جار فيه؛ وإنما يجب الوقوف فيما شككنا أنه ربا؛ أو ليس بربا؛ فأما ما تيقنا أنه ليس بربا فغير جائز الاعتراض عليه بآية تحريم الربا؛ وقد بينا ذلك في أصول الفقه.

وأما قوله (تعالى): ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا - حكاية عن المعتقدين لإباحته من الكفار - فزعموا أنه لا فارق بين الزيادة المأخوذة على وجه الربا؛ وبين سائر الأرباح المكتسبة بضروب البياعات؛ وجهلوا ما وضع الله (تعالى) أمر الشريعة عليه؛ من مصالح الدين؛ والدنيا؛ فذمهم الله (تعالى) على جهلهم؛ وأخبر عن حالهم يوم القيامة؛ وما يحل بهم من عقابه.

قوله (تعالى): وأحل الله البيع ؛ يحتج به في جواز بيع ما لم يره المشتري ؛ ويحتج به فيمن اشترى حنطة بحنطة بعينها متساوية ؛ أنه لا يبطل بالافتراق قبل القبض؛ وذلك لأنه معلوم من ورود اللفظ لزوم أحكام البيع؛ وحقوقه؛ من القبض؛ والتصرف؛ والملك؛ وما جرى مجرى ذلك؛ فاقتضى ذلك بقاء هذه الأحكام مع ترك التقايض؛ وهو كقوله (تعالى): حرمت عليكم أمهاتكم ؛ المراد تحريم الاستمتاع بهن؛ ويحتج أيضا لذلك بقوله (تعالى): لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ؛ من وجهين؛ أحدهما ما اقتضاه من إباحة الأكل قبل الافتراق؛ وبعده؛ من غير قبض؛ والآخر إباحة أكله لمشتريه قبل قبض الآخر بعد الفرقة.

وأما قوله (تعالى): فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ؛ فالمعنى فيه أن من انزجر بعد النهي فله ما سلف من المقبوض؛ قبل نزول تحريم الربا؛ ولم يرد به ما لم يقبض; لأنه قد ذكر في نسق التلاوة حظر ما لم يقبض منه؛ وإبطاله بقوله (تعالى): يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ؛ فأبطل الله (تعالى) من الربا ما لم يكن مقبوضا؛ وإن كان معقودا قبل نزول التحريم؛ ولم يتعقب بالفسخ ما كان منه مقبوضا؛ بقوله (تعالى): فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ؛ وقد روي ذلك عن السدي ؛ وغيره من المفسرين؛ وقال (تعالى): وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ؛ فأبطل منه ما بقي مما لم يقبض؛ ولم يبطل المقبوض؛ ثم قال (تعالى): وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم ؛ وهو تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه؛ وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه؛ ولا زيادة.

وروي عن ابن عمر ؛ وجابر ؛ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال - في خطبته يوم حجة الوداع بمكة؛ (وقال جابر : بعرفات) -: "إن كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع؛ وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب فكان فعله - صلى الله عليه وسلم - مواطئا لمعنى الآية؛ في إبطال الله (تعالى) من الربا ما لم يكن مقبوضا؛ وإمضائه ما كان [ ص: 191 ] مقبوضا؛ وفيما روي في خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ضروب من الأحكام؛ أحدها أن كل ما طرأ على عقد البيع قبل القبض مما يوجب تحريمه؛ فهو كالموجود في حال وقوعه؛ وما طرأ بعد القبض مما يوجب تحريم ذلك العقد؛ لم يوجب فسخه؛ وذلك نحو النصرانيين إذا تبايعا عبدا بخمر ؛ فالبيع جائز عندنا؛ وإن أسلم أحدهما قبل قبض الخمر بطل العقد؛ وكذلك لو اشترى رجل مسلم صيدا؛ ثم أحرم البائع؛ أو المشتري ؛ بطل البيع; لأنه قد طرأ عليه ما يوجب تحريم العقد قبل القبض؛ كما أبطل الله (تعالى) من الربا ما لم يقبض; لأنه طرأ عليه ما يوجب تحريمه قبل القبض؛ وإن كانت الخمر مقبوضة؛ ثم أسلما؛ أو أحرما؛ لم يبطل البيع؛ كما لم يبطل الله (تعالى) الربا المقبوض حين أنزل التحريم؛ فهذا جائز في نظائره من المسائل؛ ولا يلزم عليه أن يقتل العبد المبيع قبل القبض ؛ ولا يبطل البيع؛ وللمشتري اتباع الجاني من قبل أنه لم يطرأ على العقد ما يوجب تحريم العقد; لأن العقد باق على هيئته التي كان عليها؛ والقيمة قائمة مقام المبيع؛ وإنما يعتبر المبيع؛ وللمشتري الخيار فحسب.

وفيها دلالة على أن هلاك المبيع في يد البائع؛ وسقوط القبض فيه ؛ يوجب بطلان العقد؛ وهو قول أصحابنا؛ والشافعي ؛ وقال مالك : لا يبطل؛ والثمن لازم للمشتري إذا لم يمنعه؛ ودلالة الآية ظاهرة على أن قبض المبيع من تمام البيع ؛ وأن سقوط القبض يوجب بطلان العقد؛ وذلك لأن الله (تعالى) لما أسقط قبض الربا أبطل العقد الذي عقداه؛ وأمر بالاقتصار على رأس المال؛ فدل ذلك على أن قبض المبيع من شرائط صحة العقد؛ وأنه متى طرأ على العقد ما يسقطه أوجب ذلك بطلانه.

وفيها الدلالة على أن العقود الواقعة في دار الحرب ؛ إذا ظهر عليها الإمام؛ لا يعترض عليها بالفسخ؛ وإن كانت معقودة على فساد; لأنه معلوم أنه قد كان بين نزول الآية؛ وبين خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة؛ ووضعه الربا؛ الذي لم يكن مقبوضا؛ عقود من عقود الربا بمكة؛ قبل الفتح؛ ولم يتعقبها بالفسخ؛ ولم يميز ما كان منها قبل نزول الآية مما كان منها بعد نزولها؛ فدل ذلك على أن العقود الواقعة في دار الحرب بينهم وبين المسلمين إذا ظهر عليها الإمام لا يفسخ منها ما كان مقبوضا؛ وقوله (تعالى): فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ؛ يدل على ذلك أيضا; لأنه قد جعل له ما كان مقبوضا منه قبل الإسلام.

وقد قيل: إن معنى قوله (تعالى): فله ما سلف ؛ من ذنوبه؛ على معنى أن الله (تعالى) يغفرها له؛ وليس هذا كذلك; لأن الله (تعالى) قد قال: وأمره إلى الله ؛ يعني فيما يستحقه من عقاب؛ أو ثواب؛ [ ص: 192 ] فلم يعلمنا حكمه في الآخرة؛ ومن جهة أخرى أنه لو كان هذا مرادا لم ينتف به ما ذكرنا؛ فيكون على الأمرين جميعا؛ لاحتماله لهما؛ فيغفر الله (تعالى) ذنوبه؛ ويكون له المقبوض من ذلك قبل إسلامه؛ وذلك يدل على أن بياعات أهل الحرب كلها ماضية؛ إذا أسلموا بعد التقابض فيها؛ لقوله (تعالى): فله ما سلف وأمره إلى الله .

قوله - عز وجل -: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ؛ قال أبو بكر : يحتمل ذلك معنيين؛ أحدهما: إن لم تقبلوا أمر الله (تعالى)؛ ولم تنقادوا له؛ والثاني: إن لم تذروا ما بقي من الربا بعد نزول الأمر بتركه؛ فأذنوا بحرب من الله (تعالى) ورسوله؛ وإن اعتقدوا تحريمه؛ وقد روي عن ابن عباس ؛ وقتادة ؛ والربيع بن أنس - فيمن أربى - أن الإمام يستتيبه؛ فإن تاب؛ وإلا قتله؛ وهذا محمول على أن يفعله مستحلا له; لأنه لا خلاف بين أهل العلم على أنه ليس بكافر إذا اعتقد تحريمه؛ وقوله (تعالى): فأذنوا بحرب من الله ورسوله ؛ لا يوجب إكفارهم; لأن ذلك قد يطلق على ما دون الكفر من المعاصي؛ قال زيد بن أسلم ؛ عن أبيه: إن عمر رأى معاذا يبكي؛ فقال: ما يبكيك؟ فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "اليسير من الرياء شرك؛ ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة"؛ فأطلق اسم المحاربة عليه؛ وإن لم يكفر؛ وروى أسباط عن السدي ؛ عن صبيح؛ مولى أم سلمة ؛ عن زيد بن أرقم ؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي؛ وفاطمة ؛ والحسن ؛ والحسين - رضي الله عنهم -: "أنا حرب لمن حاربتم؛ سلم لمن سالمتم"؛ وقال (تعالى): إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ؛ والفقهاء متفقون على أن ذلك حكم جار في أهل الملة؛ وأن هذه السمة تلحقهم بإظهارهم قطع الطريق؛ وقد دل على أنه جائز إطلاق اسم المحاربة لله (تعالى) ورسوله؛ على من عظمت معصيته؛ وفعلها مجاهرا بها؛ وإن كانت دون الكفر؛ وقوله (تعالى): فأذنوا بحرب من الله ورسوله ؛ إخبار منه بعظم معصيته؛ وأنه يستحق بها المحاربة عليها؛ وإن لم يكن كافرا؛ وكان ممتنعا على الإمام؛ فإن لم يكن ممتنعا عاقبه الإمام بمقدار ما يستحقه من التعزير؛ والردع؛ وكذلك ينبغي أن يكون حكم سائر المعاصي التي أوعد الله (تعالى) عليها العقاب؛ إذا أصر الإنسان عليها؛ وجاهر بها؛ وإن كان ممتنعا حورب عليها؛ هو ومتبعوه؛ وقوتلوا حتى ينتهوا؛ وإن كانوا غير ممتنعين عاقبهم الإمام بمقدار ما يرى من العقوبة؛ وكذلك حكم من يأخذ أموال الناس من المتسلطين الظلمة؛ وآخذي الضرائب ؛ واجب على كل المسلمين قتالهم؛ وقتلهم إذا كانوا [ ص: 193 ] ممتنعين؛ وهؤلاء أعظم جرما من آكلي الربا؛ لانتهاكهم حرمة النهي؛ وحرمة المسلمين جميعا؛ وآكل الربا إنما انتهك حرمة الله (تعالى) في أخذ الربا؛ ولم ينتهك لمن يعطيه ذلك حرمة; لأنه أعطاه بطيبة نفسه؛ وآخذو الضرائب في معنى قطاع الطريق المنتهكين لحرمة نهي الله (تعالى)؛ وحرمة المسلمين؛ إذا كانوا يأخذونه جبرا؛ وقهرا؛ لا على تأويل؛ ولا شبهة؛ فجائز لمن علم من المسلمين إصرار هؤلاء على ما هم عليه من أخذ أموال الناس؛ على وجه الضريبة؛ أن يقتلهم كيف أمكنه قتلهم؛ وكذلك أتباعهم؛ وأعوانهم الذين بهم يقومون على أخذ الأموال؛ وقد كان أبو بكر - رضي الله عنه - قاتل مانعي الزكاة؛ لموافقة من الصحابة إياه على شيئين؛ أحدهما الكفر؛ والآخر منع الزكاة؛ وذلك لأنهم امتنعوا من قبول فرض الزكاة؛ ومن أدائها؛ فانتظموا به معنيين؛ أحدهما الامتناع من قبول أمر الله (تعالى)؛ وذلك كفر؛ والآخر الامتناع من أداء الصدقات المفروضة في أموالهم إلى الإمام؛ فكان قتاله إياهم للأمرين جميعا؛ ولذلك قال: "لو منعوني عقالا - وفي بعض الأخبار: "عناقا" - مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه"؛ فإنما قلنا: إنهم كانوا كفارا؛ ممتنعين من قبول فرض الزكاة; لأن الصحابة سموهم أهل الردة؛ وهذه السمة لازمة لهم إلى يومنا هذا؛ وكانوا سبوا نساءهم وذراريهم؛ ولو لم يكونوا مرتدين لما سار فيهم هذه السيرة؛ وذلك شيء لم يختلف فيه الصدر الأول؛ ولا من بعدهم من المسلمين؛ أعني في أن القوم الذين قاتلهم أبو بكر كانوا أهل الردة؛ فالمقيم على أكل الربا؛ إن كان مستحلا له فهو كافر؛ وإن كان ممتنعا بجماعة تعضده سار فيهم الإمام بسيرته في أهل الردة؛ إن كانوا قبل ذلك من جملة أهل الملة؛ وإن اعترفوا بتحريمه؛ وفعلوه غير مستحلين له ؛ قاتلهم الإمام إن كانوا ممتنعين؛ حتى يتوبوا؛ وإن لم يكونوا ممتنعين ردعهم عن ذلك بالضرب؛ والحبس؛ حتى ينتهوا.

وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل نجران؛ وكانوا ذمة نصارى: "إما أن تذروا الربا؛ وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله"؛ وروى أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثني أيوب الدمشقي قال: حدثني سعدان بن يحيى؛ عن عبد الله بن أبي حميد؛ عن أبي مليح الهذلي ؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صالح أهل نجران؛ فكتب كتابا في آخره: "على ألا تأكلوا الربا؛ فمن أكل الربا فذمتي منه بريئة"؛ فقوله (تعالى): فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ؛ عقيب قوله: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ؛ هو عائد عليهما جميعا؛ من رد الأمر على حاله؛ ومن الإقامة على أكل الربا؛ مع قبول الأمر؛ [ ص: 194 ] فمن رد الأمر قوتل على الردة؛ ومن قبل الأمر؛ وفعله محرما له قوتل على تركه؛ إن كان ممتنعا؛ ولا يكون مرتدا؛ وإن لم يكن ممتنعا عزر بالحبس؛ والضرب؛ على ما يرى الإمام.

وقوله (تعالى): فأذنوا بحرب من الله ورسوله ؛ إعلام بأنهم إن لم يفعلوا ما أمروا به في هذه الآية؛ فهم محاربون لله (تعالى) ورسوله؛ وذلك إخبار منه بمقدار عظم الجرم؛ وأنهم يستحقون به هذه السمة؛ وهي أن يسموا محاربين لله (تعالى) ورسوله؛ وهذه السمة يعتورها معنيان؛ أحدهما الكفر؛ إذا كان مستحلا؛ والآخر الإقامة على أكل الربا؛ مع اعتقاد التحريم؛ على ما بينا؛ ومن الناس من يحمله على أنه إعلام منه بأن الله (تعالى) يأمر رسوله والمؤمنين بمحاربتهم؛ ويكون إيذانا لهم بالحرب؛ حتى لا يؤتوا على غرة قبل العلم بها؛ كقوله (تعالى): وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ؛ فإذا حمل على هذا الوجه كان الخطاب بذلك متوجها إليهم؛ إذا كانوا ذوي منعة؛ وإذا حملناه على الوجه الأول دخل كل واحد من فاعلي ذلك في الخطاب؛ وتناوله الحكم المذكور فيه؛ فهو أولى.

قوله (تعالى): وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ؛ فيه تأويلان؛ أحدهما: "وإن كان ذو عسرة غريما لكم؛ فنظرة إلى ميسرة"؛ والثاني: على أن "كان" المكتفية باسمها على معنى: "وإن وقع ذو عسرة"؛ أو: "إن وجد ذو عسرة"؛ كقول الشاعر:


فدى لبنى شيبان رحلي وناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب



معناه: إذا وجد يوم كذلك.

وقد اختلف في معنى قوله (تعالى): وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ؛ فروي عن ابن عباس ؛ وشريح ؛ وإبراهيم؛ أنه في الربا خاصة؛ وكان شريح يحبس المعسر في غيره من الديون؛ وروي عن إبراهيم؛ والحسن ؛ والربيع بن خيثم؛ والضحاك ؛ أنه في سائر الديون؛ وروي عن ابن عباس رواية أخرى مثل ذلك.

وقال آخرون: إن الذي في الآية إنظار المعسر في الربا؛ وسائر الديون في حكمه قياسا عليه؛ قال أبو بكر : لما كان قوله (تعالى): وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ؛ محتملا أن يكون شاملا لسائر الديون؛ على ما بينا من وجه الاحتمال؛ ولتأويل من تأوله من السلف على ذلك؛ إذ غير جائز أن يكونوا تأولوه على ما لا احتمال فيه؛ وجب حمله على العموم؛ وألا يقتصر به على الربا؛ إلا بدلالة؛ لما فيه من تخصيص لفظ العموم من غير دلالة؛ فإن قيل: لما كان قوله (تعالى): وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ؛ غير مكتف بنفسه في إفادة الحكم؛ وكان متضمنا لما [ ص: 195 ] قبله؛ وجب أن يكون حكمه مقصورا عليه؛ قيل: هو كلام مكتف بنفسه؛ لما في فحواه من الدلالة على معناه؛ وذلك لأن ذكر الإعسار؛ والإنظار؛ قد دل على دين تجب المطالبة به؛ والإنظار لا يكون إلا في حق قد ثبت وجوبه؛ وصحت المطالبة به؛ إما عاجلا؛ وإما آجلا؛ فإذا كان في مضمون اللفظ دلالة على دين يتعلق به في حكم الإنظار؛ إذا كان ذو عسرة؛ كان اللفظ مكتفيا بنفسه؛ ووجب اعتباره على عمومه؛ ولم يجب الاقتصار به على الربا دون غيره؛ وزعم بعض الناس؛ ممن نصر هذا القول الذي ذكرناه؛ أن هذا لا يجوز أن يكون في الربا; لأن الله (تعالى) قد أبطله؛ فكيف يكون منظرا به؟ قال: فالواجب أن تكون الآية عامة في سائر الديون؛ وهذا الحجاج ليس بشيء; لأن الله (تعالى) إنما أبطل الربا؛ وهو الزيادة المشروطة ؛ ولم يبطل رأس المال; لأنه قال: وذروا ما بقي من الربا ؛ والربا هو الزيادة؛ ثم قال: وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم ؛ ثم عقب ذلك بقوله: وإن كان ذو عسرة ؛ يعني سائر الديون؛ ورأس المال أحدها؛ وإبطال ما بقي من الربا لم يبطل رأس المال؛ بل هو دين عليه؛ يجب أداؤه.

فإن قيل: إذا كان الإنظار مأمورا به في رأس المال؛ فهو وسائر الديون عليه سواء؛ قيل له: إنما كلامنا فيما شمله العموم من حكم الآية؛ فإن كان ذلك في رأس مال الربا فلم يتناول غيره من طريق النص؛ وإنما يتناوله من جهة العموم للمعنى؛ فيحتاج حينئذ إلى دلالة من غيره في إثبات حكمه؛ ورده إلى المذكور في الآية بمعنى يجمعهما؛ وليس الكلام بينك وبين الخصم من جهة القياس؛ وإنما اختلفتما في عموم الآية؛ وخصوصها؛ والكلام في القياس ورد غير المذكور إلى المذكور؛ مسألة أخرى.

التالي السابق


الخدمات العلمية