صفحة جزء
[ ص: 177 ] باب في طاعة أولي الأمر قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم قال أبو بكر : اختلف في تأويل أولي الأمر ، فروي عن جابر بن عبد الله وابن عباس رواية والحسن وعطاء ومجاهد : " أنهم أولو الفقه والعلم " ، وعن ابن عباس رواية وأبي هريرة : " أنهم أمراء السرايا " . ويجوز أن يكونوا جميعا مرادين بالآية ؛ لأن الاسم يتناولهم جميعا ؛ لأن الأمراء يلون أمر تدبير الجيوش والسرايا وقتال العدو ، والعلماء يلون حفظ الشريعة وما يجوز مما لا يجوز ، فأمر الناس بطاعتهم والقبول منهم ما عدل الأمراء والحكام وكان العلماء عدولا مرضيين موثوقا بدينهم وأمانتهم فيما يؤدون ؛ وهو نظير قوله تعالى : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون

ومن الناس من يقول : إن الأظهر من أولي الأمر ههنا أنهم الأمراء ؛ لأنه قدم ذكر الأمر بالعدل ؛ وهذا خطاب لمن يملك تنفيذ الأحكام وهم الأمراء والقضاة ، ثم عطف عليه الأمر بطاعة أولي الأمر وهم ولاة الأمر الذين يحكمون عليهم ما داموا عدولا مرضيين وليس بممتنع أن يكون ذلك أمرا بطاعة الفريقين من أولي الأمر وهم أمراء السرايا والعلماء ؛ إذ ليس في تقدم الأمر بالحكم بالعدل ما يوجب الاقتصار بالأمر بطاعة أولي الأمر على الأمراء دون غيرهم . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من أطاع أميري فقد أطاعني .

وروى الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيف من منى فقال : نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها ، فرب حامل فقه لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه . ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن : إخلاص العمل لله تعالى وقال بعضهم : وطاعة ذوي الأمر وقال بعضهم : والنصيحة لأولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين ، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم .

والأظهر من هذا الحديث أنه أراد بأولي الأمر الأمراء . وقوله تعالى عقيب ذلك : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول يدل على أن أولي الأمر هم الفقهاء ؛ لأنه أمر سائر الناس بطاعتهم ثم قال : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول فأمر أولي الأمر برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ إذ كانت العامة ومن ليس من أهل العلم ليست هذه منزلتهم ؛ لأنهم لا يعرفون كيفية الرد إلى كتاب الله والسنة ووجوه دلائلهما على أحكام الحوادث فثبت أنه خطاب للعلماء .

واستدل بعض أهل العلم على إبطال قول [ ص: 178 ] الرافضة في الإمامة بقوله تعالى : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم قال : فليس يخلو أولو الأمر من أن يكونوا الفقهاء أو الأمراء أو الإمام الذي يدعونه ، فإن كان المراد الفقهاء والأمراء فقد بطل أن يكون الإمام ، والفقهاء والأمراء يجوز عليهم الغلط والسهو والتبديل والتغيير وقد أمرنا بطاعتهم .

وهذا يبطل أصل الإمامة فإن شرط الإمام عندهم أن يكون معصوما لا يجوز عليه الغلط والخطأ والتبديل والتغيير ؛ ولا يجوز أن يكون المراد الإمام ؛ لأنه قال في نسق الخطاب : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول فلو كان هناك إمام مفروض الطاعة لكان الرد إليه واجبا وكان هو يقطع الخلاف والتنازع ، فلما أمر برد المتنازع فيه من الحوادث إلى الكتاب والسنة دون الإمام دل ذلك على بطلان قولهم في الإمامة ، ولو كان هناك إمام تجب طاعته لقال : فردوه إلى الإمام ؛ لأن الإمام عندهم هو الذي يقضي قوله على تأويل الكتاب والسنة ، فلما أمر بطاعة أمراء السرايا والفقهاء وأمر برد المتنازع فيه من الحوادث إلى الكتاب والسنة دون الإمام ثبت أن الإمام غير مفروض الطاعة في أحكام الحوادث المتنازع فيها ، وأن لكل واحد من الفقهاء أن يردها إلى نظائرها من الكتاب والسنة .

وزعمت هذه الطائفة أن المراد بقوله تعالى : وأولي الأمر منكم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهذا تأويل فاسد ؛ لأن أولي الأمر جماعة وعلي بن أبي طالب رجل واحد . وأيضا فقد كان الناس مأمورين بطاعة أولي الأمر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن علي بن أبي طالب لم يكن إماما في أيام النبي صلى الله عليه وسلم فثبت أن أولي الأمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أمراء وقد كان على المولى عليهم طاعتهم ما لم يأمروهم بمعصية ، وكذلك حكمهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم في لزوم اتباعهم وطاعتهم ما لم تكن معصية .

التالي السابق


الخدمات العلمية