صفحة جزء
قوله تعالى : يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم روي عن الحسن أنه خطاب لليهود والنصارى ؛ لأن النصارى غلت [ ص: 282 ] في المسيح فجاوزوا به منزلة الأنبياء حتى اتخذوه إلها ، واليهود غلت فيه فجعلوه لغير رشدة ، فغلا الفريقان جميعا في أمره . والغلو في الدين هو مجاوزة حد الحق فيه . وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أن يناوله حصيات لرمي الجمار ، قال : فناولته إياها مثل حصا الخذف فجعل يقلبهن بيده ويقول بمثلهن بمثلهن إياكم والغلو في الدين ، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في دينهم ؛ ولذلك قيل دين الله بين المقصر والغالي .

قوله تعالى : وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه قيل في وصف المسيح بأنه كلمة الله ثلاثة أوجه :

أحدها ما روي عن الحسن وقتادة أنه كان عيسى بكلمة الله ، وهو قوله : كن فيكون لا على سبيل ما أجرى العادة به من حدوثه من الذكر والأنثى جميعا .

والثاني : أنه يهتدى به كما يهتدى بكلمة الله .

والثالث : ما تقدم من البشارة به في الكتب المتقدمة التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه .

وأما قوله تعالى : وروح منه فلأنه كان بنفخة جبريل بإذن الله ، والنفخ يسمى روحا ، كقول ذي الرمة :

فقلت له ارفعها إليك وأحيها بروحك واقتته لها قيتة قدرا

أي بنفخك . وقيل : إنما سماه روحا ؛ لأنه يحيي الناس به كما يحيون بالأرواح ؛ ولهذا المعنى سمى القرآن روحا في قوله : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا وقيل : لأنه روح من الأرواح كسائر أرواح الناس ، وأضافه الله تعالى إليه تشريفا له ، كما يقال : بيت الله ، وسماء الله .

التالي السابق


الخدمات العلمية